برق غزة – خاص
كتب نور الهدي ابو عودة
في ذكرى انطلاقة حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، يعود اسم الدكتور فتحي الشقاقي إلى الواجهة بوصفه المؤسس والأمين العام الأول للحركة، والشخصية التي ارتبطت منذ سبعينيات القرن الماضي بمحاولة صياغة رؤية إسلامية تجعل القضية الفلسطينية في قلب المشروع السياسي والفكري.
وُلد فتحي إبراهيم عبد العزيز الشقاقي في 4 يناير/كانون الثاني 1951 في مخيم رفح جنوب قطاع غزة، لعائلة فلسطينية تعود أصولها إلى قرية زرنوقة قرب الرملة.
درس الرياضيات في جامعة بيرزيت، ثم انتقل إلى مصر لدراسة الطب في جامعة الزقازيق، حيث بدأت تتبلور أفكاره السياسية والفكرية حول فلسطين والحركة الإسلامية.
من الفكر إلى تأسيس حركة الجهاد الإسلامي
منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، انخرط الشقاقي في نقاشات فكرية مع عدد من الطلبة الفلسطينيين في مصر حول العلاقة بين الإسلام والقضية الفلسطينية، وصولًا إلى تأسيس النواة التي انبثقت عنها حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين مطلع ثمانينيات القرن الماضي.
وكان الشقاقي يرى أن القضية الفلسطينية يجب ألا تكون ملفًا هامشيًا في الفكر الإسلامي، بل قضية مركزية.
وفي حديث صحفي سابق شرح رؤية الحركة قائلًا إن “القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للحركة الإسلامية”، معتبرًا أن مشروع الحركة جاء لمعالجة ما رآه انفصالًا بين البعد الإسلامي والبعد الوطني للقضية الفلسطينية.
وفي مرحلة مبكرة من مسيرته، عمل الشقاقي على النشاط السياسي والإعلامي والتعبوي، قبل أن تتجه الحركة إلى العمل المسلح.
ووفق روايته، كان الهدف من المرحلة الأولى تهيئة المجتمع لمرحلة نضال طويلة، قبل أن تبدأ الخلايا العسكرية نشاطها في منتصف الثمانينيات.
فلسطين في قلب مشروعه الفكري
لم يكن الشقاقي يطرح القضية الفلسطينية باعتبارها قضية جغرافية فقط، بل ربطها بتاريخ المنطقة وصراعاتها السياسية والفكرية.
ومن العبارات التي ارتبطت بأدبياته قوله إن “فلسطين هي مقتل المشروع الاستعماري”، في تعبير عن رؤيته لموقع فلسطين في الصراع الإقليمي والدولي.
كما تحدث في كتاباته وخطاباته عن القدس باعتبارها مركزًا للصراع، وربط بين تحرير فلسطين والمشروع الإسلامي المعاصر.
وتظهر كتاباته حجم الاهتمام الذي أولاه لهذه الفكرة، ومن أبرز مؤلفاته “الخميني: الحل الإسلامي والبديل”، و”مقدمة حول مركزية فلسطين والمشروع الإسلامي المعاصر”، و”الانتفاضة والمشروع الإسلامي المعاصر”.
من الطبيب إلى قائد حركة مقاومة
بعد عودته إلى فلسطين عام 1981، عمل الشقاقي طبيبًا في مستشفى أوغستا فيكتوريا بالقدس، قبل أن يتعرض للاعتقال أكثر من مرة بسبب نشاطه السياسي والتنظيمي.
وفي عام 1988 أُبعد إلى لبنان، ثم انتقل إلى دمشق، التي أصبحت لاحقًا مركزًا لنشاط قيادة الحركة.
وخلال تلك المرحلة، أصبحت حركة الجهاد الإسلامي أحد الفصائل الفلسطينية التي تبنت العمل المسلح ضد إسرائيل، كما عارض الشقاقي اتفاق أوسلو ومسار التسوية الذي بدأ في تسعينيات القرن الماضي.
وفي مقابلة صحفية أجريت معه عام 1995، عبّر الشقاقي عن موقفه من مسار أوسلو قائلًا: “اتفاق أوسلو مات”، منتقدًا ما اعتبره تركيزًا على الأمن الإسرائيلي بدل الوصول إلى حل للقضية الفلسطينية.
الوحدة الوطنية والحوار
ورغم الخلافات السياسية والفكرية مع قوى فلسطينية أخرى، تحدث الشقاقي عن أهمية الحوار الداخلي ورفض الاقتتال الفلسطيني.
وفي إحدى المقابلات أكد أن الخلافات بين الفصائل الفلسطينية ينبغي أن تُعالج بالحوار السياسي والفكري، وليس بالعنف الداخلي.
كما تحدث عن العلاقة مع الفصائل الإسلامية والوطنية الأخرى، مؤكدًا في إحدى مقابلاته أن حركة الجهاد الإسلامي “حركة إسلامية فلسطينية مقاتلة مستقلة”، وأنها تعمل ضمن المشهد الفلسطيني إلى جانب قوى وتيارات متعددة.
اغتيال الشقاقي في مالطا
في 26 أكتوبر/تشرين الأول 1995، اغتيل فتحي الشقاقي في جزيرة مالطا، أثناء عودته من ليبيا إلى دمشق. وأعلنت حركة الجهاد الإسلامي أن إسرائيل تقف وراء عملية الاغتيال، بينما ربطت تقارير صحفية آنذاك العملية بجهاز الموساد الإسرائيلي.
كان الشقاقي عند اغتياله في الرابعة والأربعين من عمره، وترك وراءه إرثًا فكريًا وتنظيميًا ارتبط بتأسيس حركة الجهاد الإسلامي وتحديد رؤيتها تجاه القضية الفلسطينية والمقاومة.
وبعد اغتياله، تولى رمضان عبد الله شلح قيادة الحركة، لتدخل مرحلة جديدة من تاريخها، بينما بقي اسم الشقاقي حاضرًا في أدبياتها وفعالياتها السنوية.
39 عامًا على الانطلاقة
وبعد عقود من تأسيسها، تستعيد حركة الجهاد الإسلامي في ذكرى انطلاقتها سيرة مؤسسها الأول، الذي جمع بين دراسة الطب والعمل السياسي والكتابة الفكرية والتنظيمية، وجعل من فلسطين محورًا رئيسيًا في مشروعه.
ويبقى من أبرز ما يميز إرث الشقاقي الفكري تركيزه على مركزية فلسطين، والربط بين البعد الوطني والإسلامي للقضية، والدعوة إلى مواجهة الاحتلال، مع التأكيد في الوقت نفسه على الحوار داخل الساحة الفلسطينية.
وفي ذكرى الانطلاقة، يعود الشقاقي في خطاب الحركة بوصفه المؤسس الذي وضع اللبنات الأولى لتنظيم فلسطيني حمل منذ بداياته رؤية خاصة تجاه الصراع ومستقبل القضية الفلسطينية.
تابعنا عبر التليجرام للاخبار العاجلة

