برق غزة /مصر
تقرير : علياء الهواري
بعد 52 عاماً على العبور، لم تعد حرب أكتوبر مجرد صفحة في كتب التاريخ العسكري الإسرائيلي، بل تحولت إلى كابوس يوقظ إسرائيل كل خريف. ففي الوقت الذي تحتفل فيه القاهرة بالنصر، تفتح تل أبيب ملفاتها السرية وتبكي قتلاها وتسأل نفس السؤال الذي لم تجد له إجابة منذ نصف قرن: كيف سقطت أسطورة الجيش الذي لا يقهر في ست ساعات؟الصحافة العبرية في اليومين الماضيين لم تتحدث عن 6 أكتوبر كتاريخ، بل كمرآة. فصحيفة القناة السابعة العبرية التي تعتبر لسان حال اليمين الديني المتشدد، نشرت قبل ساعات فقط فيلماً وثائقياً جديداً بعنوان “في نهاية المزح” عن موقع المزح الحصين في سيناء، ذلك الموقع الذي كان يعتبره الإسرائيليون جزءاً من خط بارليف الذي لا يسقط، فإذا بجنوده يستسلمون في أول ساعات العبور ومعهم سِفر التوراة الخاص بالموقع. الفيلم ينقل شهادات حية لجنود إسرائيليين يبكون ويقولون: “لقد تركونا.. القيادة هربت وتركتنا نواجه المصريين وحدنا”. وفي نفس التغطية، وقف الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوج في مراسم التأبين الرسمية ليقول جملة هزت إسرائيل: “مرة أخرى أخطأنا في الكونسبتسيا، مرة أخرى لم نشكك.. يبدو أن دروس حرب يوم الغفران لم تُتعلم أبداً”. هرتسوج كان يقصد بوضوح أن الغرور الذي أسقط إسرائيل في سيناء عام 73 هو نفس الغرور الذي أسقطها في غزة يوم 7 أكتوبر 2023.أما جيروزاليم بوست، الصحيفة الأشهر باللغة الإنجليزية والتي يقرأها العالم كله، فقد نشرت في 18 سبتمبر الماضي مقالاً صادماً قالت فيه إن يوم الغفران هذا العام سيظل محفوراً في الذاكرة، ليس بسبب 1973، بل بسبب 2023. وقالت بالنص إن حرب 1973 التي شنتها الجيوش العربية في أقدس أيام اليهود استمرت 19 يوماً وكلفت إسرائيل 2691 قتيلاً، لكنها تشبه تماماً ما حدث في 7 أكتوبر، حيث نفس الاعتماد المفرط على الحواجز المادية، خط بارليف في سيناء بالأمس، والجدار الذكي حول غزة اليوم، ونفس النتيجة، انهيار مذهل في الساعات الأولى.لكن الأخطر من كل ذلك ما كشفته صحيفتا هآرتس ويديعوت أحرونوت في ملفات الذكرى الخمسين، وهي الملفات التي لا تزال الصحف العبرية تعيد نشرها حتى اليوم. هآرتس كشفت أن وزير الدفاع الإسرائيلي الأسطوري موشيه ديان انهار تماماً في أول أيام الحرب وتحدث عن “دمار الهيكل الثالث” واقترح على جولدا مائير التفكير في استخدام السلاح النووي ضد مصر وسوريا، وأن جولدا مائير نفسها، المرأة الحديدية التي كانت تبلغ 75 عاماً وتتلقى علاجاً سرياً من السرطان، فكرت في الانتحار حسب رواية سكرتيرها الشخصي. أما يديعوت أحرونوت فقد ذهبت لأبعد من ذلك واستعانت بأهم مؤرخ للفشل الاستخباراتي في إسرائيل، البروفيسور أوري بار يوسف، الذي قال جملة أصبحت عنواناً لكل التحقيقات في إسرائيل: “في 1973 كانت هناك أصوات كثيرة داخل الاستخبارات العسكرية تحذر من الخطر وتجاهلها رئيس الاستخبارات إيلي زعيرا وحده، أما في 7 أكتوبر 2023 فلم يكن رئيس الاستخبارات فقط هو المخطئ، بل معظم مديرية الاستخبارات كلها.. كان هناك تواطؤ لا يطاق في قمة الجيش”.ولم تكتف إسرائيل بالبكاء على الورق، بل أنتجت في العامين الماضيين أفلاماً غير مسبوقة تعترف بالهزيمة لأول مرة. فيلم Golda الذي قامت ببطولته النجمة العالمية هيلين ميرين وترشح للأوسكار، يرصد 19 يوماً من داخل غرفة القرار الإسرائيلية وهي ترتجف، ويكشف كيف ضغط وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر على جولدا مائير لعدم توجيه ضربة استباقية لمصر، وترك الجيش المصري يعبر. وفيلم The Stronghold الذي يصور جنوداً إسرائيليين محاصرين في سيناء يصرخون ويستغيثون بعد هجوم مصري مفاجئ.أما الوثائق السرية التي أفرجت عنها إسرائيل مؤخراً فهي الفضيحة الكبرى. أرشيف دولة إسرائيل نشر 3500 ملف سري، بينها ورقة بخط يد جولدا مائير نفسها كتبتها الساعة 10:50 مساء يوم 6 أكتوبر 1973 تسجل فيها 43 قتيل و110 جريح في الجنوب فقط في أول ساعات. والأخطر أن صحيفة ذا أتلانتيك الأمريكية كشفت أن رئيس المخابرات المصرية اللواء عباس كامل هبط بطائرة خاصة في مطار بن جوريون يوم 26 سبتمبر 2023، أي قبل 11 يوماً فقط من هجوم حماس، وقال للإسرائيليين بالنص: “غزة ستنفجر في وجوهكم”. إسرائيل تجاهلت التحذير المصري تماماً، تماماً كما تجاهلت كل التحذيرات المصرية قبل 6 أكتوبر 1973.في المقابل، الدولة المصرية بدأت منذ 2014 مشروعاً صامتاً عبر المركز القومي للترجمة أطلقت عليه “كتيبة العبري المصرية” لترجمة كل الوثائق العبرية التي حاولت إسرائيل إخفاءها 50 عاماً. ومن أهم ما ترجمته قصة البطل سعد زغلول، مترجم الشفرة العبرية البسيط الذي التقط اتصالاً لاسلكياً لقائد الجبهة الجنوبية الإسرائيلية الجنرال ألبرت مندلر وهو يطير فوق سيناء بطائرة هليكوبتر، فترجمه فوراً وأبلغ القيادة، فتم قصف موقعه وقتله في أول أيام الحرب، وهو ما اعتبرته إسرائيل يومها أكبر صدمة بعد سقوط خط بارليف.اليوم، بعد 52 عاماً، الصحف العبرية لا تقول إنها انتصرت في 1973. هي تقول إنها نجت بأعجوبة من الفناء، وأن ما حدث في 7 أكتوبر 2023 هو نسخة طبق الأصل من غرور 1973. أما الحقيقة التي تثبتها كل الوثائق الجديدة، فهي أن نصر 6 أكتوبر لم يكن مجرد عبور لقناة السويس، بل كان سقوطاً مدوياً لنظرية الأمن الإسرائيلية التي بنت عليها وجودها، نظرية لم تتعاف منها إسرائيل حتى هذه اللحظة.
تابعنا عبر التليجرام للاخبار العاجلة

