القاهرة-برق غزة
بعد أكثر من عشر سنوات على آخر زيارة له إلى القاهرة يعود الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر في زيارة تحمل دلالات تتجاوز البروتوكول السياسي وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة في واحدة من أكثر العلاقات الدولية استقرارًا في المنطقة.
الزيارة المرتقبة، التي أعلنت عنها وزارة الخارجية الصينية اليوم، تأتي بعد مشاركة شي جين بينغ في قمة منظمة شنغهاي للتعاون في قرغيزستان، ومن المقرر أن يلتقي خلالها الرئيس عبد الفتاح السيسي لبحث العلاقات الثنائية، إلى جانب عدد من الملفات الإقليمية والدولية. وتكتسب الزيارة أهميتها من كونها أول زيارة دولة للرئيس الصيني إلى مصر منذ عشر سنوات، في وقت يحتفل فيه البلدان هذا العام بمرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية.
لكن السؤال الأهم هنا: لماذا القاهرة الآن؟
الإجابة ببساطة أن العالم تغير كثيرًا منذ زيارة شي الأخيرة عام 2016، ومصر تغير موقعها أيضًا.
القاهرة لم تعد بالنسبة إلى بكين مجرد شريك تجاري في الشرق الأوسط، وإنما أصبحت بوابة مهمة إلى الأسواق العربية والأفريقية، وممرًا استراتيجيًا عبر قناة السويس، ومركزًا يمكن من خلاله للشركات الصينية أن تنتج وتصدر إلى أسواق واسعة.
وهنا تظهر الورقة الأقوى على طاولة المفاوضات: الاستثمار.
بحسب بيانات هيئة الاستثمار المصرية، تعمل في مصر نحو 2800 شركة صينية، بإجمالي استثمارات يتجاوز 8 مليارات دولار. كما ارتفع حجم التجارة بين البلدين إلى نحو 19.52 مليار دولار خلال عام 2025، وهو رقم يعكس حجم الاعتماد المتبادل بين أكبر اقتصاد آسيوي وأحد أهم الاقتصادات العربية والأفريقية.
لكن القاهرة لا تريد أن تتوقف العلاقة عند حدود “الاستيراد من الصين”.
المعادلة المصرية الجديدة تبدو أكثر وضوحًا: نريد الصين التي تصنع في مصر، لا الصين التي تبيع لمصر فقط.
وهذا تحديدًا ما يجعل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس واحدة من أهم الملفات المنتظرة في الزيارة.
ففي قلب المنطقة الاقتصادية، تحولت منطقة تيدا الصينية في العين السخنة إلى نموذج عملي للشراكة المصرية الصينية. وبنهاية عام 2025 كانت المنطقة تضم قرابة 200 شركة، باستثمارات تجاوزت 3.8 مليار دولار، ووفرت نحو 10 آلاف فرصة عمل.
والقصة لم تتوقف عند المشروعات القائمة.
خلال السنوات الأخيرة، توالت الاستثمارات الصينية في قطاعات مختلفة؛ من الإطارات والمنسوجات والأجهزة المنزلية إلى المنتجات الصحية والألومنيوم واللوجستيات.
وفي يونيو الماضي، وُضع حجر الأساس لمصنع صيني للإطارات في السخنة باستثمارات تصل إلى 190 مليون دولار، بينما أعلنت شركة صينية أخرى في أغسطس عن مشروع للمنتجات الصحية باستثمارات 67 مليون دولار يوفر نحو 450 فرصة عمل مباشرة.
والأكثر لفتًا أن هناك مشروعات أكبر بكثير قيد الإعداد.
ففي أبريل 2026، جرى بحث إقامة مجمع صناعي صيني لإنتاج الألومنيوم داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس باستثمارات تصل إلى ملياري دولار.
إذن نحن أمام مسار واضح: الصين لا تدخل مصر فقط بأموالها، وإنما تدخل أيضًا بمصانعها وسلاسل إنتاجها وخبرتها التكنولوجية.
وهنا تحديدًا يمكن فهم أهمية زيارة شي جين بينغ.
القاهرة لديها ما تحتاجه الصين: الموقع الجغرافي، قناة السويس، الموانئ، العمالة، البنية التحتية، والقدرة على الوصول إلى أسواق أفريقيا والشرق الأوسط.
وبكين لديها ما تحتاجه مصر: رأس المال، التكنولوجيا، الخبرة الصناعية، وسلاسل التوريد العالمية.
إنها معادلة “أنت تحتاجني وأنا أحتاجك”.
والأهم أن القاهرة تحاول خلال المرحلة المقبلة نقل الشراكة من مجرد جذب استثمارات إلى توطين الصناعة وزيادة الصادرات المصرية.
وهذا الملف أصبح أكثر إلحاحًا في ظل التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، والحرب التجارية المتصاعدة، وإعادة ترتيب الشركات الكبرى لسلاسل الإمداد. مصر تريد أن تكون جزءًا من هذه الخريطة الجديدة، والصين تبحث بدورها عن منصات إنتاج قريبة من الأسواق التي تستهدفها.
لذلك، فإن قناة السويس ليست مجرد ممر للسفن في هذه المعادلة، بل يمكن أن تصبح ممرًا لرأس المال والتكنولوجيا والصناعة الصينية نحو أفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط.
وهنا تأتي المفارقة المهمة.
منذ سنوات كانت الصين تُتهم بأنها تبيع لمصر أكثر مما تشتري منها. أما التحدي المصري اليوم فهو تحويل العلاقة من سوق استهلاكية ضخمة للمنتجات الصينية إلى قاعدة إنتاج مشتركة، بحيث يصبح جزء من المنتج الذي يحمل عبارة “صنع في مصر” نتاجًا لشراكة مصرية صينية.
وهذا التحول بدأ بالفعل.
مشروعات مثل “هاير” و”ميديا” و”جوشي” وغيرها تعكس انتقال الشركات الصينية من مجرد التصدير إلى إنشاء قواعد إنتاج داخل مصر، بينما تستهدف القاهرة قطاعات جديدة مثل السيارات الكهربائية، والمنسوجات، والإلكترونيات، والطاقة المتجددة، ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.
والزيارة تأتي في توقيت سياسي لا يقل أهمية عن توقيتها الاقتصادي.
مصر والصين تحتفلان بمرور سبعة عقود على العلاقات الدبلوماسية، وكانت القاهرة أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية. وعلى مدار هذه العقود حافظ البلدان على مستوى مرتفع من الاستقرار السياسي والتنسيق، وهو ما انعكس على العلاقات الاقتصادية والاستثمارية.
لكن القاهرة وبكين لا تتحركان في فراغ.
المنطقة تعيش واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا، والحرب في غزة، والتوترات في البحر الأحمر، والتنافس الأمريكي الصيني، وإعادة تشكيل طرق التجارة العالمية، كلها ملفات تجعل الموقع المصري أكثر أهمية بالنسبة إلى الصين
ومن هنا، فإن زيارة شي جين بينغ للقاهرة ليست مجرد عودة رئيس صيني بعد غياب طويل.
إنها زيارة تأتي في لحظة يبحث فيها الطرفان عن مرحلة جديدة من الشراكة.
مصر تريد استثمارات تنتج وتصدر وتخلق فرص عمل، والصين تريد موطئ قدم اقتصادي أكثر قوة في منطقة تعتبرها استراتيجية.
وبين الطرفين تقف قناة السويس، بما تمثله من جغرافيا لا يمكن تجاهلها.
لذلك ربما يكون السؤال الحقيقي الذي يجب طرحه مع وصول الرئيس الصيني إلى القاهرة ليس: ماذا ستقدم الصين لمصر؟
بل: هل تستطيع مصر أن تحول الشراكة الصينية إلى قوة إنتاج مصرية حقيقية؟
إذا نجحت القاهرة في الإجابة عن هذا السؤال، فقد تكون زيارة شي جين بينغ بداية فصل مختلف تمامًا في العلاقات المصرية الصينية؛ فصل لا تكون فيه مصر مجرد سوق للمنتجات الصينية، وإنما شريكًا صناعيًا ومنصة تصدير إقليمية للصين نحو العالم.

