بقلم: د. محمد سالم أبو يوسف
أكاديمي وخبير مالي
تتجه وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية إلى إعادة هيكلة نظام الثانوية العامة «التوجيهي»، عبر اعتماد نظام تراكمي يُوزّع التقييم على عامين دراسيين، في خطوة تتجاوز البعد التربوي لتلامس قضايا التنمية الاقتصادية وإدارة رأس المال البشري، على أن يبدأ تطبيق النظام رسميًا اعتبارًا من العام الدراسي 2027/2028، وفق ما أُعلن من الوزارة.
ومن منظور اقتصادي، يرى د. محمد سالم أبو يوسف، أكاديمي وخبير مالي، أن النظام الجديد قد يسهم في الحد من الهدر الأكاديمي، ورفع كفاءة الاستثمار في التعليم، إذا جرى تطبيقه وفق خطة واقعية تراعي الظروف الفلسطينية.
ويقوم النظام المقترح على تقديم أربعة مباحث وزارية موحدة في الصف الحادي عشر، بوزن نسبي يبلغ 40% من المعدل، وأربعة مباحث تخصصية في الصف الثاني عشر بوزن 60%، بما يوزع العبء الدراسي والاختبارات على عامين، ويخفف من مخاطر ارتباط مستقبل الطالب بنتيجة فترة امتحانية واحدة.
اقتصاديًا، قد يمنح هذا التوزيع الطلبة مساحة أكبر لتحسين نتائجهم وتقليل احتمالية فقدان عام دراسي كامل، بما يحد من تكلفة الفرصة البديلة المرتبطة بالتعثر الأكاديمي، ويعزز الاستفادة من سنوات التعليم في بناء رأس المال البشري.
كما يتيح النظام التخصص المبكر من خلال مسارات أكاديمية ومهنية، بما يساعد على توجيه الطلبة نحو المجالات الأكثر ارتباطًا باحتياجات سوق العمل، ويُسهم، في حال حسن التخطيط، في ترشيد الموارد الأكاديمية وتقليل الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات الاقتصاد الفلسطيني.
ومن بين أبرز التغييرات المقترحة أيضًا الفصل بين «شهادة الثانوية المدرسية» وشهادة القبول الجامعي، الأمر الذي قد يوفر مسارًا أكثر مرونة للطلبة الراغبين في دخول سوق العمل أو الالتحاق بالتخصصات والتعليم المهني دون أن يكون الالتحاق بالجامعة المسار الوحيد أمامهم.
لكن نجاح الإصلاح لا يرتبط بالتصميم الأكاديمي وحده، إذ تبرز تحديات ميدانية واقتصادية كبيرة، خصوصًا في ظل الظروف التي يعيشها قطاع غزة، إلى جانب الحواجز والاقتحامات والاضطرابات التي تؤثر في انتظام العملية التعليمية في الضفة الغربية.
ويطرح ذلك تساؤلات حول قدرة الوزارة على ضمان انتظام الامتحانات الوزارية على مدار عامين، وتحقيق تكافؤ الفرص بين طلبة غزة والضفة والقدس، إضافة إلى حجم التمويل المطلوب لإعادة تأهيل المدارس وتطوير البنية التحتية الرقمية، وتدريب الكوادر التعليمية، وتحديث المناهج والمختبرات.
كما يبقى العبء الاقتصادي على الأسر محل تساؤل؛ فبدل أن تتركز النفقات المرتبطة بالدروس الخصوصية والتحضير للثانوية العامة في عام واحد، قد تمتد إلى عامين، ما يستدعي وضع سياسات تحد من الأعباء المالية على الأسر، خصوصًا الفئات الأكثر هشاشة.
وبذلك، فإن نجاح «التوجيهي التراكمي» لن يُقاس فقط بقدرته على تخفيف الضغط عن الطلبة، بل بمدى قدرته على خفض الهدر الأكاديمي، وتحسين كفاءة الإنفاق التعليمي، وربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل الفلسطيني.
ويبقى التحدي الأساسي أمام هذا الإصلاح هو الانتقال من القرار إلى التنفيذ؛ فكلما كان التخطيط المالي واللوجستي أكثر واقعية، زادت فرص تحول النظام التراكمي من مجرد تعديل في آلية الامتحانات إلى استثمار حقيقي في رأس المال البشري الفلسطيني.

