برق غزة / مقالات
…بقلم: د. محمد سالم أبو يوسف كاتب وباحث أكاديمي
ما من شك أن التكاتف الأسري واجتماع الكلمة واجب ديني وأخلاقي وضرورة مجتمعية فرضتها التحديات المعيشية الصعبة غير أن المسار الحقيقي لمجالس العائلات يتطلب مراجعة صادقة؛ إذ أضحت المظاهر الفائضة، والمنافسات الشكلية، وحب الظهور تُلقي بظلالها على الهدف الأساسي الذي أُنشئت من أجله.إن الأصل في إدارة الشأن العائلي وتنظيمه مع الدولة ويين العائلات يتجسد في وجود “المختار” المعتمد من الداخلية، باعتباره المعرّف الرسمي لدى الدولة والمؤسسات الحكومية إذا لزم الأمر، ولا يمتد سلطانه وتوثيقه وفق القانون خارج إطار عائلته او حمولته أو حيه او قريته على أبعد تقدير ويمثل حلقة الوصل الناظمة بين العائلة أو الحمولة ومحيطها المجتمعي والرسمي. وهو دورٌ تاريخي ووطني يتسع بحكمته لجمع الشمل وقضاء حوائج الناس دون الحاجة لإيجاد هياكل موازية؛ إذ إن التوسع في إقامة “المجالس العائلية” وتضخيم أدوارها يتسبب أحياناً في إضعاف دور المختار، بل واستنساخ نظم ولوائح ومسميات الدولة وأسقاطها على لجان تلك المجالس في مشهد يبعث على الاستغراب، ويخلق خلافات وقطيعة بين أبناء العمومة تُنهك النسيج العائلي والمجتمعي.إن شطط هذه المجالس يُعدّ انحرافاً يمس بالمرجعيات القانونية والوطنية، ويخالف مبدأ المساواة في القانون الأساسي الفلسطيني الذي نص صراحة على أن “الفلسطينيين أمام القانون والقضاء سواء لا تمييز بينهم”؛ بينما تكرس العصبية والمفاخرة التمييز بين المواطنين وتُغيّب مفهوم الدولة. كما تشكل عصبية المجالس مخالفة صريحة لأحكام قانون الجمعيات الخيرية والهيئات الأهلية رقم (1) لسنة 2000، الذي حظر في مادتيه (1) و(13) تأسيس أو ممارسة أنشطة لأي هيئة على أساس فئوي أو عشائري يمس بالوحدة الوطنية.إن طغيان النفوذ العائلي والشرعيات العرفية على حساب سيادة القانون ومؤسسات المجتمع المدني، والاستغراق في المظاهر والسباق الإعلامي، يؤدي حتماً إلى تعميق الخلافات الداخلية وإيجاد فجوات طبقية، بدلاً من توجيه الجهود للتكافل الإغاثي والخدمي الفعلي.ورغم ذلك فقد سجَّل بكل أسف مشاركة ورعاية بعض الشخصيات ذات الاعتبار من وجهاء ورموز وطنية ورؤساء بلديات لهذه الفعاليات العائلية الضيقة، والتي تدفع نحو استيدال لجان الأحياء بمجالس العائلات في حين إن واجبهم الرسمي والوطني يقتضي تمثيل المصلحة العامة والوقوف على مسافة واحدة من الجميع، واعتماد المعايير الوطنية الجامعة بدلاً من إضفاء الشرعية على أدوات الاستقطاب والتنافس العائلي المقيت.إن سقف العمل العائلي الأصيل والأعدل يكمن في دعم دور المختار كحلقة وصل جامعة، دون الحاجة للغرق في مسميات ومجالس تُشتت الجمع. فقوة أسرنا وقيادتنا تُقاس بمدى التزامها بالقانون والمعايير الوطنية الجامعة، وترسيخها لمفهوم المواطنة والمؤسسة لا برعاية العصبية والفئوية.
تابعنا عبر التليجرام للاخبار العاجلة

