بقلم/ يونس صلاح
تقترب إسرائيل من انتخابات 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026 وسط معركة سياسية مفتوحة، لا يمكن حسمها مسبقًا. وتشير استطلاعات حديثة إلى منافسة متقاربة بين الليكود وقوى منافسة، مع عدم وجود مسار واضح لأي معسكر نحو تشكيل حكومة بمفرده، بسبب طبيعة النظام البرلماني الإسرائيلي واعتماد تشكيل الحكومة على ائتلاف من عدة أحزاب.
نتنياهو أمام معركة داخل معسكره
المفارقة أن التحدي الأكبر أمام نتنياهو لا يأتي فقط من خصومه السياسيين، بل من حالة التشرذم داخل معسكر اليمين نفسه. فالأحزاب اليمينية المتشددة تخوض الانتخابات بقوائم منفصلة، ما قد يؤدي إلى توزيع أصوات الناخبين على عدة أحزاب ويؤثر في قدرتها على تجاوز نسبة الحسم والحصول على مقاعد في الكنيست. لذلك يسعى نتنياهو إلى منع تشتت أصوات اليمين والحفاظ على كتلة قادرة على التفاوض على تشكيل الحكومة المقبلة.
وهنا تصبح الانتخابات أكثر من مجرد منافسة بين نتنياهو ومنافسيه؛ إنها معركة على شكل الائتلاف المقبل، ومن ستكون له الكلمة الأكبر في ملفات الأمن والحرب وغزة والعلاقة مع الفلسطينيين.
أزمة الحريديم.. العقدة التي تطارد نتنياهو
يبقى ملف تجنيد اليهود الحريديم من أكثر الملفات حساسية داخل السياسة الإسرائيلية. فالأحزاب الحريدية كانت شريكًا مهمًا في معسكر نتنياهو، لكنها تطالب بالحفاظ على إعفاءات واسعة لطلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية، في حين تصاعدت داخل المجتمع الإسرائيلي المطالب بتوزيع أعباء الخدمة بصورة أوسع، خصوصًا مع استمرار الحروب والضغط على قوات الاحتياط.
وقد أدت الخلافات حول قانون التجنيد إلى توترات بين نتنياهو وحلفائه الحريديين، ووصلت في مراحل سابقة إلى تهديدات بالانسحاب من الحكومة والدفع نحو انتخابات مبكرة. وهذا يجعل أي حكومة مقبلة أمام معادلة صعبة بين إرضاء الأحزاب الحريدية والحفاظ على تماسك الائتلاف من جهة، والاستجابة للضغوط الاجتماعية والعسكرية من جهة أخرى.
إذا بقي نتنياهو.. غزة أمام أي مسار؟
إذا عاد نتنياهو إلى رئاسة الحكومة، فإن استمرار تأثير الأحزاب اليمينية داخل ائتلافه سيكون عاملًا أساسيًا في تحديد مستقبل غزة. فحلفاؤه اليمينيون طرحوا خلال الفترة الانتخابية أفكارًا تتعلق بما يسمونه «الهجرة الطوعية» للفلسطينيين من القطاع، بينما أعلن نتنياهو تأييده لفكرة الهجرة الطوعية، مع اختلافه عن بعض شركائه بشأن إعادة الاستيطان الإسرائيلي في غزة.
وعليه، فإن عودة نتنياهو قد تعني استمرار التركيز على القضايا الأمنية ونزع سلاح الفصائل وترتيبات السيطرة والأمن في القطاع، مع بقاء ملفات إعادة الإعمار وإدارة غزة والوجود العسكري الإسرائيلي مرتبطة بموازين القوى داخل الحكومة الجديدة وبالمواقف الأميركية والعربية والدولية.
لكن من المهم عدم اختزال مستقبل غزة في شخص نتنياهو وحده؛ فحتى بقاؤه لن يعني بالضرورة استمرار كل السياسات بالشكل نفسه، لأن طبيعة الائتلاف الذي سيشكله ستكون حاسمة في تحديد هامش حركته.
وإذا خسر نتنياهو؟
رحيل نتنياهو عن رئاسة الحكومة لن يعني تلقائيًا تحولًا جذريًا في السياسة الإسرائيلية تجاه غزة. فالمشهد السياسي المنافس له يضم قوى من الوسط واليمين، وبعضها يتبنى مواقف أمنية متشددة أيضًا، ولذلك قد يكون التغيير في حال وصول حكومة جديدة متعلقًا بطريقة إدارة الحرب والقطاع والعلاقات الإقليمية أكثر من كونه انقلابًا كاملًا في الموقف الإسرائيلي من غزة.
وقد تكون الملفات الداخلية، مثل التحقيقات المتعلقة بإخفاقات السابع من أكتوبر، والعلاقة بين الحكومة والجيش، وقانون التجنيد الحريدي، وإعادة ترتيب العلاقة بين المؤسسة السياسية والمؤسسة الأمنية، من أبرز الملفات التي ستفرض نفسها على الحكومة الجديدة.
أما غزة، فقد يفتح تغيير الحكومة الباب أمام نقاش مختلف حول إدارة القطاع وإعادة الإعمار ودور السلطة الفلسطينية والدول العربية وآليات المساعدات، لكن حجم هذا التغيير سيبقى مرتبطًا بالائتلاف الذي سيصل إلى الحكم وليس بمجرد مغادرة نتنياهو.
غزة تنتظر أكثر من نتيجة الانتخابات
في نهاية المطاف، لا تكمن أهمية الانتخابات الإسرائيلية المقبلة في سؤال واحد: هل يفوز نتنياهو أم يخسر؟ بل في سؤال أكبر: من سيشكل الحكومة، وما القوى التي ستفرض شروطها عليها؟
فإذا تمكن نتنياهو من تشكيل حكومة تعتمد على الأحزاب اليمينية والحريدية، فستظل غزة أمام حكومة تحمل داخلها تيارات تدفع باتجاه سياسات أمنية أكثر تشددًا. وإذا تشكلت حكومة بديلة، فقد تتغير طريقة التعامل مع القطاع وملفات الإعمار والإدارة والعلاقة مع السلطة الفلسطينية، لكن ذلك لا يضمن وحده تحولًا جذريًا في السياسة الإسرائيلية.
وهكذا تقف غزة أمام انتخابات لا تملك فيها صوتًا داخل صناديق الاقتراع، لكنها قد تكون من أكثر الساحات تأثرًا بنتائجها. وبين أزمة الحريديم، وتشرذم اليمين، ومستقبل نتنياهو، وضغط الجيش، وملف غزة، تبدو الانتخابات المقبلة محطة ستحدد ليس فقط هوية رئيس الحكومة، بل أيضًا شكل المرحلة السياسية الإسرائيلية التالية.

