يونس صلاح- برق غزة
تتحرك أوروبا خلال الفترة الأخيرة باتجاه رفع مستوى الاستعداد العسكري والمدني لمواجهة أي تطورات أمنية محتملة، في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية وتصاعد المخاوف من اتساع نطاق المواجهة. ولم تعد الاستعدادات مقتصرة على الجيوش، بل امتدت إلى خطط حماية المدنيين وتأمين الطاقة والغذاء والأدوية والبنية التحتية الحيوية.
في عدد من الدول الأوروبية، عادت قضية الملاجئ والحماية المدنية إلى الواجهة، بالتزامن مع تدريبات الطوارئ، وتوسيع قدرات الجيوش، وزيادة الإنفاق الدفاعي، ومراجعة خطط التعامل مع الأزمات الكبرى. كما تتحدث دول أوروبية عن ضرورة رفع جاهزية المجتمع في حال وقوع أزمة عسكرية أو انقطاع واسع في الخدمات الأساسية.
أوروبا ترفع الجاهزية
المشهد الأوروبي الجديد يعكس إدراكًا بأن الحروب الحديثة لا تعتمد فقط على الدبابات والطائرات، بل يمكن أن تستهدف شبكات الكهرباء والاتصالات والموانئ والمنشآت الحيوية والأنظمة الرقمية.
ولهذا بدأت الحكومات الأوروبية بالتعامل مع فكرة الصمود المدني باعتبارها جزءًا من الأمن القومي، بحيث يكون المواطن والمؤسسات والخدمات الأساسية قادرين على الاستمرار في حال وقوع أزمة واسعة.
لكن الاستعداد للحرب لا يعني بالضرورة أن الحرب أصبحت وشيكة، فقد يكون الهدف الأساسي هو الردع وإرسال رسالة واضحة بأن أي مواجهة محتملة ستكون مكلفة.
هل يمكن أن يفتح بوتين جبهة مباشرة مع أوروبا؟
يبقى السؤال الأكثر إثارة للقلق: هل يمكن أن تنتقل المواجهة من الأراضي الأوكرانية إلى مواجهة مباشرة بين روسيا والدول الأوروبية؟
لا توجد مؤشرات تسمح بالجزم بأن روسيا قررت الدخول في حرب شاملة مع أوروبا، كما أن الانتقال إلى مواجهة مباشرة مع دول حلف شمال الأطلسي سيكون مختلفًا جذريًا عن الحرب في أوكرانيا.
فأي صدام مباشر بين روسيا ودولة عضو في الناتو قد يفتح الباب أمام مواجهة أوسع، وهو سيناريو يحمل مخاطر سياسية وعسكرية واقتصادية ضخمة لجميع الأطراف.
الجيش الروسي بين الحرب الطويلة والقدرة على الاستمرار
الحرب في أوكرانيا استنزفت روسيا بشريًا واقتصاديًا وعسكريًا، لكن ذلك لا يعني أن الجيش الروسي أصبح عاجزًا عن خوض مواجهة جديدة.
روسيا لا تزال تمتلك ترسانة عسكرية ضخمة، وقدرات صاروخية متقدمة، وقوة نووية كبيرة، إلى جانب قدرة على إنتاج وتعويض جزء من المعدات والخسائر.
لكن الانتقال من حرب طويلة في أوكرانيا إلى حرب مباشرة مع أوروبا سيكون قرارًا بالغ الخطورة، لأن طبيعة الخصم ستكون مختلفة، وحجم المعركة المحتملة سيكون أكبر بكثير.
أوروبا تخشى حربًا لا تبدأ بالدبابات
الخوف الأوروبي لا يتعلق فقط باجتياح عسكري تقليدي، بل بسيناريوهات أكثر تعقيدًا يمكن أن تبدأ بهجمات إلكترونية أو تعطيل شبكات الطاقة أو استهداف البنية التحتية أو قطع الاتصالات أو ضرب المنشآت الحيوية.
ولهذا أصبحت المياه والغذاء والوقود والأدوية والطاقة والملاجئ جزءًا من النقاش الأمني الأوروبي، بعدما كانت هذه الملفات تُعامل في السابق باعتبارها قضايا مدنية بعيدة عن الحسابات العسكرية.
السيناريو الأخطر.. خطأ يقود إلى حرب
ربما لا يكون السيناريو الأخطر قرارًا روسيًا مباشرًا بإعلان حرب على أوروبا، وإنما حادث عسكري أو سوء تقدير أو تصعيد متبادل يؤدي إلى خروج المواجهة عن السيطرة.
ففي ظل انتشار القوات والأسلحة وارتفاع مستوى التوتر، يمكن لحادث صغير أن يتحول إلى أزمة كبيرة إذا لم تتمكن الأطراف من احتوائه سياسيًا.
وهنا تكمن أهمية الردع؛ فالدول الأوروبية لا تقول بالضرورة إن الحرب قادمة، لكنها تريد أن تكون مستعدة إذا جاءت.
الخلاصة
أوروبا اليوم لا تبدو وكأنها تنتظر اندلاع حرب حتمية مع روسيا، لكنها بالتأكيد لم تعد تتعامل مع احتمال الحرب الكبرى باعتباره أمرًا مستبعدًا يمكن تجاهله.
أما روسيا، ففتح مواجهة مباشرة مع أوروبا سيضعها أمام اختبار مختلف تمامًا عن الحرب في أوكرانيا، وقد يفتح صراعًا واسعًا يصعب التحكم في نتائجه.
وبينما تستعد أوروبا عسكريًا ومدنيًا، تبقى المعادلة الأكثر حساسية هي أن الاستعداد للحرب قد يكون في بعض الأحيان وسيلة لمنعها، لكن سوء الحسابات قد يحول الردع نفسه إلى بوابة للتصعيد.
قسم التحرير – وكالة برق غزة الإعلامية

