يونس صلاح – برق غزة
في وقت يواصل فيه الاحتلال الإسرائيلي حربه وأزماته المتصاعدة، تتزايد الأصوات من داخل المؤسسة الإسرائيلية التي تحذر من مستقبل أكثر تعقيدًا، ليس فقط على المستوى الأمني، وإنما في بنية المجتمع والاقتصاد والسياسة والعلاقات الخارجية.
وفي تحذير لافت، تحدث البروفيسور الإسرائيلي أفنير غولوف، نائب رئيس منظمة «MIND Israel»، عن مرحلة حاسمة تمر بها إسرائيل، معتبرًا أن الأحداث الأخيرة كشفت عن أزمات داخلية عميقة لم يعد من الممكن تجاهلها أو تأجيل مواجهتها.
غولوف أشار إلى أن الخطر لا يرتبط فقط بما يحدث على الجبهات العسكرية، بل يمتد إلى داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، حيث تظهر تحديات مرتبطة بالتعليم، والتماسك الاجتماعي، والحوكمة، والاقتصاد، والتغيرات الديموغرافية، إلى جانب العلاقات مع الولايات المتحدة ويهود الشتات.
من قوة عسكرية إلى أزمة متعددة الجبهات
على مدار عقود، حرص الاحتلال على تقديم نفسه باعتباره قوة عسكرية وتكنولوجية متقدمة قادرة على حماية أمنه ومصالحه في المنطقة، إلا أن السنوات الأخيرة أظهرت أن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة غياب الأزمات الداخلية.
فالحرب الطويلة، وما رافقها من خسائر وتكاليف اقتصادية وسياسية وضغوط دولية، دفعت النقاش داخل المجتمع الإسرائيلي إلى ملفات تتجاوز الحسابات العسكرية، وصولًا إلى سؤال أكثر عمقًا يتعلق بمستقبل الدولة وقدرتها على الحفاظ على تماسكها الداخلي.
وتبرز في هذا السياق قضايا التجنيد والإنفاق العسكري والاقتصاد والانقسام السياسي والاجتماعي، وهي ملفات أصبحت جزءًا أساسيًا من النقاش حول مستقبل إسرائيل.
السابع من أكتوبر.. نقطة تحوّل
شكّل السابع من أكتوبر نقطة تحوّل كبيرة في الوعي الإسرائيلي، بعدما أظهر هشاشة في المنظومة الأمنية التي طالما قُدمت باعتبارها واحدة من أكثر المنظومات تطورًا في العالم.
ومنذ ذلك التاريخ، لم تعد الأسئلة الإسرائيلية تقتصر على كيفية مواجهة المقاومة الفلسطينية، بل امتدت إلى كيفية إدارة الحرب، ومن يتحمل مسؤولية الإخفاقات، وكيف يمكن إعادة بناء الثقة بالمؤسسات، وكيف يمكن الحفاظ على المجتمع في ظل حرب طويلة ومكلفة.
وفي الوقت ذاته، أصبحت غزة جزءًا أساسيًا من هذا النقاش، بعدما تحولت الحرب إلى ملف سياسي وأمني ودولي يضغط على الاحتلال ويضع علاقاته الخارجية أمام اختبارات متواصلة.
الاقتصاد والمجتمع أمام اختبار صعب
الحروب الطويلة لا تُقاس نتائجها فقط بما يحدث في الميدان، وإنما أيضًا بقدرة الاقتصاد والمجتمع على تحمل تبعاتها.
ومع استمرار الإنفاق العسكري، وتوسع الاحتياجات الأمنية، واستدعاء أعداد كبيرة من جنود الاحتياط، تظهر أسئلة حول قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على الحفاظ على استقراره، وحول تأثير الحرب على سوق العمل والتعليم والحياة الاجتماعية.
وفي الداخل الإسرائيلي، تتقاطع هذه الأزمات مع انقسامات سياسية واجتماعية عميقة، ما يجعل ملف التماسك الداخلي واحدًا من أكثر الملفات حساسية خلال المرحلة المقبلة.
هل بدأت مرحلة التآكل الداخلي؟
الحديث عن «نهاية إسرائيل» يجب التعامل معه بحذر، إذ إن التحذيرات المطروحة لا تعني بالضرورة انهيار الدولة أو قرب نهايتها بصورة حتمية، وإنما تعكس مخاوف داخلية من تراكم الأزمات وتأثيرها على مستقبلها.
لكن اللافت أن النقاش حول هذه المخاطر لم يعد محصورًا في الأصوات الفلسطينية أو العربية، بل أصبح حاضرًا أيضًا داخل مراكز البحث والنخب الاستراتيجية الإسرائيلية.
وهنا تكمن أهمية التحذير؛ فالدول لا تواجه أزماتها الكبرى عندما تخسر معركة واحدة، وإنما عندما تتراكم الأزمات الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية في الوقت نفسه، وتصبح معالجة إحداها مرتبطة بحل الأخرى.
وفي المشهد الفلسطيني، تبدو الصورة أكثر وضوحًا؛ فالحرب على غزة لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كشفت حجم الصراع على الرواية والمكانة الدولية والشرعية السياسية، وفتحت في الوقت ذاته نقاشًا واسعًا داخل المجتمع الإسرائيلي حول شكل المستقبل.
وبينما يحاول الاحتلال الحفاظ على صورته كقوة إقليمية قادرة على فرض شروطها، فإن الأسئلة القادمة لن تكون عسكرية فقط، بل ستتعلق بقدرته على الحفاظ على اقتصاده ومجتمعه وتماسكه السياسي وعلاقاته الدولية.
فهل تستطيع إسرائيل تجاوز هذه الأزمات وإعادة بناء تماسكها الداخلي، أم أن تراكمها سيقود إلى مرحلة جديدة من التآكل السياسي والاجتماعي؟
السؤال مفتوح، لكن المؤكد أن الحديث عن مستقبل الاحتلال لم يعد يدور فقط في ساحات المواجهة، بل بدأ يأخذ مكانه داخل المؤسسات والنخب الإسرائيلية نفسها.

