بقلم: يونس صلاح
لم تعد غزة تقف أمام سؤال الحرب والسلام فقط، بل أمام مرحلة أكثر تعقيدًا تتداخل فيها السياسة بالأمن، والإعمار بالسيطرة الميدانية، والانتخابات بالحسابات الإقليمية والدولية.
فبعد سنوات من الدمار والنزوح، يجد سكان القطاع أنفسهم أمام أسئلة مصيرية: ماذا سيحدث بعد وقف الحرب؟ من سيدير غزة؟ ماذا سيكون مصير «الخط الأصفر»؟ وهل يتحول «مجلس السلام» إلى مشروع فعلي لإعادة الإعمار، أم يبقى مجرد إطار سياسي؟ ومتى يستطيع الغزيون العودة إلى حياة طبيعية؟
غزة بين الحرب والمرحلة الجديدة
الهدوء، حتى عندما يستمر، لا يعني أن الحرب انتهت بكل تفاصيلها.
فغزة ما زالت تواجه آثار الدمار الواسع، ونقص المساكن والخدمات، وتراكم الركام، وتعطل قطاعات اقتصادية وصحية وتعليمية واسعة.
وفي المقابل، بدأت تتشكل ترتيبات جديدة تتجاوز فكرة وقف إطلاق النار، وتتجه نحو البحث في شكل الحكم والأمن وإعادة الإعمار ومستقبل القطاع.
وهنا تبدأ المرحلة الأصعب؛ لأن إنهاء الحرب شيء، وبناء السلام والاستقرار شيء آخر تمامًا.
الانتخابات الصهيونية.. عامل قد يعيد خلط الأوراق
تقترب دولة الاحتلال من انتخابات جديدة، وفي ظل هذا الاستحقاق تبقى غزة حاضرة في قلب الحسابات السياسية.
فالقرارات المتعلقة بالانسحاب، والسلاح، وإدارة القطاع، والقوة الدولية، وإعادة الإعمار، كلها ملفات يمكن أن تتأثر بالتحولات داخل المشهد السياسي الصهيوني.
ولهذا فإن ما بعد الانتخابات قد يحمل تعديلات في طريقة التعامل مع خطة غزة، سواء باتجاه تسريع بعض مراحلها أو إعادة التفاوض حولها.
لكن المشكلة أن مستقبل أكثر من مليوني فلسطيني لا يمكن أن يبقى مرتبطًا فقط بنتائج الصراع السياسي داخل دولة الاحتلال.
«الخط الأصفر».. سؤال الحدود التي لم تُحسم
من أكثر الملفات حساسية في المرحلة الحالية ما يعرف بـ«الخط الأصفر».
فالخط يمثل في جوهره منطقة فاصلة مرتبطة بالترتيبات العسكرية والأمنية، لكنه بالنسبة لسكان غزة أصبح أكثر من مجرد خط على الخريطة.
إنه سؤال عن الأرض التي يستطيع الفلسطيني العودة إليها، والمناطق التي يمكن إعادة إعمارها، والبيوت التي يمكن بناؤها، والطرق التي يمكن فتحها.
والسؤال الأخطر يبقى:
هل سيظل الخط الأصفر إجراءً مؤقتًا، أم يتحول مع مرور الوقت إلى واقع ميداني طويل الأمد؟
كلما طال أمد الوضع الحالي، أصبحت عملية إعادة رسم المشهد أكثر تعقيدًا، خصوصًا إذا ارتبط الانسحاب الإسرائيلي بملفات أخرى مثل السلاح والأمن وترتيبات المرحلة الانتقالية.
مجلس السلام.. بين الوعود والاختبار
يطرح «مجلس السلام» نفسه باعتباره أحد الأطر الأساسية لإدارة مرحلة ما بعد الحرب، من خلال الحديث عن الإدارة الانتقالية، والأمن، وإعادة الإعمار، والمساعدات، وإعادة تشغيل المؤسسات والخدمات.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في وضع الخطط، وإنما في تنفيذها.
فغزة لا تحتاج إلى عشرات المؤتمرات والخرائط الجديدة بقدر حاجتها إلى خطوات ملموسة على الأرض.
المواطن يريد منزلاً بدل الخيمة، ومستشفى يعمل، ومياهًا نظيفة، وكهرباء، ومدرسة لأطفاله، وطريقًا يستطيع المرور فيه دون خوف.
ومن هنا سيبقى نجاح أي مجلس أو خطة مرتبطًا بقدرته على تحويل الكلام السياسي إلى واقع يلمسه المواطن.
الإعمار.. الملف الذي ينتظره الجميع
ربما يكون الإعمار هو الاختبار الأكبر لكل ما يجري.
فحجم الدمار في غزة جعل إعادة البناء عملية ضخمة تحتاج إلى سنوات وأموال هائلة، وليس إلى مبادرات محدودة أو مشاريع مؤقتة.
إعادة الإعمار تعني إعادة بناء المنازل، والمستشفيات، والمدارس، وشبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء، والطرق، والأسواق، والمنشآت الاقتصادية.
لكن قبل كل ذلك هناك سؤال سياسي وأمني:
من يضمن أن ما سيُبنى اليوم لن يتحول إلى ركام غدًا؟
ولهذا فإن الإعمار الحقيقي يحتاج إلى وقف مستقر للحرب، وضمانات واضحة، وفتح المعابر، وإدخال مواد البناء، ووجود إدارة قادرة على العمل، وترتيبات تمنع عودة القطاع إلى دائرة الدمار.
من سيدير غزة؟
هذا السؤال ربما يكون أصعب من سؤال الإعمار نفسه.
فهناك حديث عن إدارة مدنية وتكنوقراطية، وأدوار فلسطينية وعربية ودولية، وقوة أمنية دولية، وترتيبات انتقالية.
لكن أي صيغة ستنجح في غزة تحتاج إلى عامل أساسي: أن تكون قادرة على التعامل مع الواقع الفلسطيني، وأن تحظى بقبول واسع، وأن توفر الخدمات والأمن، وأن لا تتحول الإدارة إلى أداة لصراع جديد.
فغزة ليست مجرد مساحة جغرافية تحتاج إلى إدارة، بل مجتمع كامل له تاريخه وحقوقه وتطلعاته السياسية والوطنية.
ثلاثة ملفات ستحدد المستقبل
خلال المرحلة المقبلة، ستبقى ثلاثة ملفات مترابطة هي الأكثر تأثيرًا في مستقبل القطاع:
أولًا: الأمن والانسحاب.
فاستمرار الوجود العسكري والحديث عن المناطق العازلة والخط الأصفر سيبقي مستقبل القطاع غير محسوم.
ثانيًا: الإدارة.
فالسؤال حول الجهة التي ستدير غزة وكيفية تشكيلها وصلاحياتها سيظل محورًا أساسيًا في أي اتفاق.
ثالثًا: الإعمار.
فلا يمكن أن يبدأ إعمار شامل ومستقر من دون حل الملفات السياسية والأمنية التي تحيط به.
وهذه الملفات ليست منفصلة؛ فكل واحد منها يؤثر في الآخر.
غزة لا تريد مرحلة انتقالية بلا نهاية
أكبر خطر يواجه غزة ليس فقط استمرار الدمار، بل أن تتحول المرحلة الانتقالية إلى وضع دائم.
أن يبقى النازح نازحًا، والخيمة مسكنًا مؤقتًا لسنوات، والخط الأصفر واقعًا ثابتًا، والإعمار مؤجلًا، والإدارة مؤقتة، والقرارات معلقة بين أكثر من طرف.
مثل هذا السيناريو قد يعني أن الحرب توقفت عسكريًا، لكنها لم تنتهِ سياسيًا وإنسانيًا.
وهذا ما يجعل المرحلة المقبلة شديدة الحساسية.
غزة إلى أين؟
لا توجد حتى الآن إجابة نهائية يمكن من خلالها القول إن مستقبل غزة قد حُسم.
فالانتخابات الصهيونية قد تعيد ترتيب الحسابات، ومجلس السلام يواجه اختبار التنفيذ، والخط الأصفر يبقى أحد أبرز ملفات الخلاف، بينما ينتظر الإعمار بيئة سياسية وأمنية تسمح له بالانطلاق.
لكن وسط كل هذه الحسابات، هناك حقيقة واحدة لا يمكن تجاهلها:
غزة ليست مشروعًا على الورق، وليست مجرد ملف أمني أو ورقة تفاوض.
غزة مدينة وناس وبيوت وذكريات ومستقبل.
ومن حق سكانها أن يعرفوا إلى أين تتجه حياتهم، ومتى يعودون إلى بيوتهم، ومتى تبدأ عملية البناء، ومن يقرر مستقبلهم.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل تكون المرحلة المقبلة بداية حقيقية لإعادة بناء غزة، أم بداية مرحلة جديدة من الانتظار؟
الإجابة لن تحددها التصريحات وحدها، بل ما سيحدث على الأرض؛ عند الخط الأصفر، وعند المعابر، وفي الأحياء المدمرة، وبين الخيام التي ما زالت تنتظر أن تتحول من جديد إلى بيوت.
