يونس صلاح- برق غزة
في واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ القضية الفلسطينية، وجّه الرئيس محمود عباس، أبو مازن، خطابه إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، في كلمة حملت رسائل سياسية متعددة، تصدّرها رفض التهجير، والتمسك بالأرض، والدعوة إلى إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة.
وجاء الخطاب هذا العام في ظروف استثنائية، بعدما تعذر على الرئيس الفلسطيني والوفد المرافق له الوصول حضورياً إلى نيويورك للعام الثاني على التوالي بسبب عدم الحصول على تأشيرات دخول، فيما سمحت الجمعية العامة بإيصال كلمة الرئيس عبر تسجيل مصور.
فلسطين لن تغادر أرضها
أبرز ما حمله خطاب أبو مازن كان التأكيد على أن الفلسطينيين لن يقبلوا بالتهجير، ولن يسمحوا بأن تتحول الحرب والدمار والضغوط السياسية إلى وسيلة لفرض واقع جديد على الشعب الفلسطيني.
وأكد الرئيس أن بقاء الفلسطينيين على أرضهم يمثل جوهر الموقف الفلسطيني، رافضاً أن يكون مستقبل غزة أو الضفة الغربية والقدس الشرقية موضوعاً لقرارات تُتخذ بعيداً عن إرادة الشعب الفلسطيني.
وتأتي هذه الرسالة في ظل استمرار الحديث عن مستقبل قطاع غزة، وترتيبات المرحلة المقبلة، وإعادة الإعمار، ومستقبل الإدارة الفلسطينية للقطاع، وهي ملفات باتت مرتبطة بصورة مباشرة بمسار الصراع السياسي برمته.
من إدارة الصراع إلى إنهائه
اللافت في خطاب الرئيس كان التأكيد على أن المطلوب ليس الدخول في عملية جديدة لإدارة الصراع، وإنما الوصول إلى مسار سياسي ينهي الاحتلال ويقود إلى الحرية والاستقلال.
وهنا حاول الخطاب وضع القضية الفلسطينية في إطار سياسي أوسع، يقوم على إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، إلى جانب التمسك بحقوق اللاجئين وفق القرارات الدولية.
كما دعا عباس إلى تنفيذ حل الدولتين، معتبراً أن استمرار الاستيطان وتغيير الواقع على الأرض يهددان إمكانية الوصول إلى هذا الحل.
غزة في قلب الخطاب
لم تغب غزة عن كلمة الرئيس، بل حضرت باعتبارها إحدى أبرز القضايا التي تواجه الفلسطينيين والمجتمع الدولي.
وأشار الخطاب إلى حجم الدمار الذي أصاب القطاع، وما خلفته الحرب من كارثة إنسانية واسعة، مؤكداً أن ما يجري في غزة لا يمكن فصله عن التطورات في الضفة الغربية والقدس الشرقية.
ومن هذه الزاوية، حمل الخطاب رسالة مفادها أن إعادة إعمار غزة لا ينبغي أن تكون مجرد عملية لإعادة بناء ما دمرته الحرب، بل يجب أن تكون جزءاً من حل سياسي شامل يضمن وحدة الأراضي الفلسطينية ويمنع تكريس الانقسام.
الضفة الغربية والقدس.. معركة الأرض
انتقل الخطاب من غزة إلى الضفة الغربية والقدس الشرقية، محذراً من استمرار الاستيطان ومحاولات تغيير الجغرافيا الفلسطينية.
وحذر الرئيس تحديداً من مخاطر تنفيذ المخطط الاستيطاني المعروف باسم E1، لما قد يترتب عليه من تأثيرات على التواصل الجغرافي بين مناطق الضفة الغربية وعزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني.
وبذلك حاول أبو مازن وضع ما يجري في غزة والضفة والقدس ضمن صورة واحدة، عنوانها الصراع على الأرض ومستقبل الدولة الفلسطينية.
رسالة إلى المجتمع الدولي
لم يكن خطاب الرئيس موجهاً إلى الفلسطينيين فقط، بل حمل رسالة مباشرة إلى المجتمع الدولي، مفادها أن استمرار الاكتفاء بإدارة الأزمات دون معالجة جذور الصراع سيُبقي المنطقة أمام دائرة متكررة من الحروب والتوتر.
وطالب عباس المجتمع الدولي بالتحرك لحماية الشعب الفلسطيني، ووقف السياسات التي قال إنها تهدد حل الدولتين، والضغط باتجاه تطبيق قرارات الشرعية الدولية.
كما دعا الدول التي لم تعترف بدولة فلسطين إلى اتخاذ هذه الخطوة، مشيراً إلى أن عدد الدول التي اعترفت بفلسطين وصل إلى 160 دولة، ومطالباً بمنح دولة فلسطين العضوية الكاملة في الأمم المتحدة.
واشنطن وحضور القضية الفلسطينية
حمل الخطاب أيضاً بعداً سياسياً مرتبطاً بالعلاقة مع الولايات المتحدة، خصوصاً في ظل منع الرئيس والوفد الفلسطيني من الوصول إلى نيويورك.
واعتبر عباس أن اللجوء إلى الأمم المتحدة والمحاكم الدولية واستخدام الأدوات القانونية والدبلوماسية للمطالبة بالحقوق الفلسطينية لا ينبغي أن يكون سبباً لمعاقبة الفلسطينيين أو قيادتهم.
وفي المقابل، دعا الإدارة الأميركية إلى العودة إلى لغة الحوار والعمل مع الفلسطينيين والمجتمع الدولي من أجل تنفيذ حل الدولتين.
ماذا يعني الخطاب للمرحلة المقبلة؟
يمكن قراءة خطاب أبو مازن باعتباره محاولة لإعادة تثبيت مجموعة من العناوين الفلسطينية الأساسية في لحظة سياسية شديدة التعقيد: لا للتهجير، لا لفصل غزة عن الضفة، لا لتكريس الاستيطان كأمر واقع، والتمسك بقيام دولة فلسطينية مستقلة.
لكن التحدي الأكبر يبقى في تحويل هذه المواقف السياسية إلى خطوات عملية على الأرض، خصوصاً في ظل استمرار الأزمات الإنسانية والسياسية، وتعقيدات المرحلة الانتقالية في غزة، ومستقبل إعادة الإعمار، ومستوى الدور الذي يمكن أن تلعبه السلطة الفلسطينية في المرحلة المقبلة.
فخطابات الأمم المتحدة تستطيع أن تضع القضية أمام المجتمع الدولي، لكنها لا تكفي وحدها لتغيير الواقع. المعركة الحقيقية تبدأ بعد انتهاء الخطاب: في القرارات الدولية، والضغط السياسي، وإعادة الإعمار، وترتيبات غزة، ووقف الاستيطان، وفتح الطريق أمام حل سياسي قابل للتنفيذ.
وفي النهاية، اختصر خطاب أبو مازن الرسالة الفلسطينية في عنوان واضح: الفلسطينيون يريدون السلام، لكنهم لا يريدون سلاماً يقوم على بقاء الاحتلال أو التهجير أو مصادرة حقهم في تقرير مستقبلهم.
ويبقى السؤال الأهم الذي طرحه الخطاب أمام العالم: هل تتحول الكلمات والقرارات الدولية إلى خطوات فعلية تنهي الاحتلال وتمنح الفلسطينيين حقهم في الحرية والاستقلال، أم تبقى القضية معلقة بين أروقة الأمم المتحدة وواقع يتغير على الأرض كل يوم؟

