بقلم: يونس صلاح
في غزة، لم تكن عودة الطلبة إلى المدارس هذا العام مشهدًا عاديًا يشبه بدايات الأعوام الدراسية في بقية الأماكن. فخلف الزي المدرسي والحقائب والدفاتر، تختبئ حكايات ثقيلة عن نزوحٍ متكرر، وبيوتٍ غاب عنها الأمان، وعائلاتٍ تحاول أن تمنح أبناءها شيئًا من الحياة الطبيعية وسط واقع قاسٍ أنهك الجميع.
عاد الأطفال إلى مقاعد الدراسة، لكن كثيرًا منهم لم يعودوا إلى بيوتهم. بعضهم جاء من خيام النزوح، وبعضهم يحمل في ذاكرته صورًا لأماكن فقدها وأصدقاء غابوا عنه، فيما تحاول العائلات، رغم ضيق الحال، توفير الحد الأدنى من مستلزمات الدراسة.
مدرسة وسط النزوح
لم يعد الطريق إلى المدرسة بالنسبة للطفل الغزي مجرد مسافة يقطعها صباحًا، بل رحلة بين آثار الحرب والنزوح والقلق. أطفال يخرجون من الخيام أو أماكن الإيواء حاملين حقائب بسيطة، بينما تبقى أعين ذويهم معلقة على الطريق، في محاولة لحمايتهم من واقع لم يعد يعرف معنى الاستقرار.
وفي أماكن كثيرة، باتت المدرسة أكثر من مجرد مكان للتعليم؛ إنها مساحة يحاول فيها الأطفال استعادة جزء من طفولتهم، والجلوس مع أقرانهم، والضحك ولو لدقائق، والابتعاد قليلًا عن أجواء النزوح والضغط الذي يحيط بعائلاتهم.
تعليم تحت ضغط الحياة
عودة الدراسة لا تعني أن الظروف المحيطة بالطلبة قد أصبحت طبيعية. فالعائلات تعيش تحديات اقتصادية وإنسانية متراكمة، فيما يمثل توفير الملابس والقرطاسية والحقائب وغيرها من الاحتياجات عبئًا إضافيًا على أسر فقدت الكثير خلال الحرب.
وفي المخيمات ومناطق النزوح، تتداخل أصوات الحياة اليومية مع محاولة الأطفال متابعة دروسهم. وقد يجد الطالب نفسه مطالبًا بالتركيز في درسه، بينما تفكر أسرته في مكان النوم، والطعام، والمياه، وتكاليف الحياة الأساسية.
إنها مفارقة قاسية؛ طفل يحمل كتابه إلى المدرسة، بينما تحمل عائلته في الوقت ذاته هموم النزوح والفقدان والبحث عن حياة أكثر استقرارًا.
بين الدرس والذاكرة
الأطفال في غزة لا يدخلون الصفوف الدراسية بذاكرة فارغة. سنوات الحرب تركت آثارًا عميقة على تفاصيل حياتهم، ولذلك تصبح المدرسة بالنسبة إليهم مساحة مهمة لاستعادة الروتين والتواصل الاجتماعي، وليس فقط لتلقي المعرفة.
المعلم أيضًا يقف أمام مهمة تتجاوز شرح المنهاج. فهو يتعامل مع أطفال يحمل كل واحد منهم قصة مختلفة، ويحتاج إلى مساحة من الأمان والاحتواء حتى يستطيع التعلم والتفاعل.
وهنا تبرز أهمية التعليم باعتباره أحد الجسور التي يمكن أن تساعد الأطفال على استعادة إحساسهم بالحياة اليومية، رغم صعوبة الظروف المحيطة بهم.
حق العودة إلى الحياة
غزة لا تحتاج فقط إلى أن يعود أطفالها إلى المدارس، بل تحتاج إلى أن تعود الحياة نفسها إلى هؤلاء الأطفال.
فالطفل الذي يذهب إلى المدرسة يحتاج إلى بيت آمن يعود إليه، وأسرة قادرة على تأمين احتياجاته، ومياه وغذاء، وبيئة مستقرة تساعده على التعلم والنمو.
ومع كل صباح جديد، يظل مشهد الطلبة وهم يتوجهون إلى مدارسهم رسالة واضحة: أن أطفال غزة ما زالوا يتمسكون بحقهم في التعليم، وبحقهم في طفولة لا تختصرها الحرب والنزوح.
ورغم كل ما تبدّل حولهم، تبقى الحقيبة المدرسية رمزًا صغيرًا لمحاولة كبيرة؛ محاولة استعادة الحياة، والتمسك بالمستقبل، وفتح نافذة للأمل في مدينة أنهكها النزوح، ولم تنجح الظروف القاسية في إقناع أطفالها بأن أحلامهم يجب أن تتوقف.

