يونس صلاح- برق غزة
لم يكن خطاب الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم مجرد كلمة في ذكرى اغتيال حسن نصر الله وهاشم صفي الدين، بل جاء في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها حرب غزة، والتوتر على الجبهة اللبنانية، ومستقبل العلاقة بين الدولة اللبنانية وحزب الله، مع تصاعد الحديث عن ترتيبات جديدة للمنطقة.
وفي خطابه، أعاد قاسم وضع فلسطين في مقدمة المشهد، مؤكدًا أن القضية الفلسطينية ستبقى، بحسب ما نقلته وسائل الإعلام عن كلمته، «البوصلة» الأساسية، بالتوازي مع حديثه عن تحرير الأراضي اللبنانية المحتلة.
فلسطين.. العنوان الذي لم يغادر الخطاب
اختيار فلسطين عنوانًا أساسيًا في خطاب قاسم يحمل دلالة سياسية في ظل استمرار تداعيات الحرب على غزة، وما فرضته من تحولات واسعة على المشهد الإقليمي.
فالقضية الفلسطينية لم تعد في الخطاب الإقليمي ملفًا منفصلًا عن بقية الملفات، بل أصبحت مرتبطة بالنقاش حول مستقبل الأمن في المنطقة، وشكل العلاقات بين أطرافها، وما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد تسويات سياسية أم جولات جديدة من التصعيد.
وفي الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى مستقبل غزة وإعادة الإعمار وترتيبات ما بعد الحرب، يأتي تأكيد قاسم على مركزية فلسطين ليضع الحزب مجددًا أمام جمهوره في موقع يتمسك فيه بالخطاب الذي ربطه تاريخيًا بالمواجهة مع الاحتلال.
لبنان أمام معادلة أكثر تعقيدًا
لكن خطاب قاسم لم يُقرأ فلسطينيًا وإقليميًا فقط، فلبنان حاضر بقوة في خلفيته.
خلال العامين الماضيين، تغيرت معادلات كثيرة في لبنان، بينما تصاعد النقاش الداخلي حول قرار الحرب والسلم، وحصر السلاح، ودور الدولة والجيش، ومستقبل العلاقة مع الاحتلال.
وتشير التغطيات إلى أن لبنان والاحتلال يتحركان، بوساطة أمريكية، في مسار يتعلق باتفاق أمني يتضمن ترتيبات بشأن الانسحاب وانتشار الجيش وسلاح حزب الله، في وقت يرفض فيه الحزب نزع سلاحه وفق الصيغة المطروحة.
وهنا تبرز أهمية خطاب قاسم؛ فهو يأتي في لحظة لا تتعلق فقط بذكرى قائد راحل، وإنما بمستقبل حزب يعيد ترتيب موقعه داخل لبنان والمنطقة بعد مرحلة عسكرية وسياسية قاسية.
عامان على اغتيال نصر الله.. ماذا تغيّر؟
مرّ عامان على اغتيال حسن نصر الله، لكن الملفات التي ارتبطت بمرحلة قيادته لم تُغلق.
من الجنوب اللبناني إلى غزة، ومن سلاح الحزب إلى علاقة الدولة بالمقاومة، بقيت الأسئلة مفتوحة، فيما دخل لبنان مرحلة سياسية جديدة تتسع فيها المطالب بأن تكون مؤسسات الدولة صاحبة القرار في الملفات السيادية والأمنية.
لذلك، تبدو ذكرى نصر الله هذا العام مختلفة؛ إذ تحولت من مجرد محطة لاستعادة الرجل إلى مناسبة لقياس ما بقي من خيارات الحزب، وما الذي تغير في بنيته وخطابه وموقعه السياسي بعد عامين من التحولات.
غزة في قلب الحسابات
وبالنسبة لفلسطين، فإن أهمية الخطاب لا تكمن فقط في العبارات التي قيلت، وإنما في توقيتها.
غزة لا تزال تواجه آثار حرب مدمرة، بينما تتواصل النقاشات حول مستقبل القطاع وإعادة الإعمار، في وقت تتصاعد فيه أيضًا التطورات في الضفة الغربية.
وفي اليوم نفسه، حذرت وزارة الخارجية الفلسطينية من تصريحات لوزير المالية في حكومة الاحتلال بتسلئيل سموتريتش، اعتبرتها دعوة لتوسيع الحرب والتهجير والضم في الضفة الغربية.
وبذلك يأتي خطاب قاسم وسط مشهد فلسطيني وإقليمي مفتوح على احتمالات متعددة، تتداخل فيه التطورات الميدانية مع مشاريع سياسية تتعلق بمستقبل غزة والضفة والمنطقة بأكملها.
ما بعد الخطاب.. الأسئلة أكبر من الكلمات
يبقى السؤال الأهم: ماذا بعد هذه المواقف؟
فالخطابات، مهما حملت من رسائل سياسية، لا تحسم وحدها مستقبل المنطقة. ما سيحدد المرحلة المقبلة هو ما يجري على الأرض: مسار غزة، مستقبل المواجهة مع الاحتلال، الوضع في جنوب لبنان، المفاوضات، ودور الدولة اللبنانية، إلى جانب التحولات الإقليمية والدولية.
لكن الثابت أن خطاب نعيم قاسم أعاد التأكيد على ثلاث دوائر مترابطة: فلسطين كعنوان إقليمي، ولبنان كساحة داخلية للصراع السياسي والأمني، وحزب الله كطرف يحاول تثبيت موقعه في مرحلة ما بعد نصر الله.
وبين ذكرى قائد اغتيل قبل عامين، وحاضر لا يزال مثقلًا بالحرب، ومستقبل لم تتضح ملامحه بعد، جاء خطاب قاسم ليقول إن الملفات التي صنعت السنوات الماضية لم تدخل بعد مرحلة النهاية، وأن فلسطين ولبنان سيبقيان في قلب الحسابات السياسية والأمنية للمنطقة.

