بقلم: يونس صلاح
في غزة، لم يعد الأمان مكانًا يمكن الوصول إليه، ولا بابًا يُغلق خلفه الخوف. أصبح الناس يبحثون عنه بين الركام، تحت ما تبقى من جدران البيوت، وفي زوايا الأزقة والطرقات، بينما يلاحقهم صوت القصف من مكان إلى آخر، وكأن مساحة النجاة تضيق كل يوم أكثر.
هنا، لا يخرج الناس من منازلهم بحثًا عن الحياة، بل يخرجون بحثًا عن مكان قد يكون أقل خطرًا. يحمل الأب أطفاله، وتمسك الأم بأيدي صغارها، وتتحرك العائلات في الشوارع بقلوب مثقلة، لا تعرف أين سيكون القصف التالي، ولا إن كانت الوجهة التي اختارتها ستمنحها دقائق من الهدوء أم ستتحول إلى محطة جديدة للخوف.
في غزة، صار المشهد أقسى من أن تصفه الكلمات. قصف هنا، وقصف هناك، ودخان يتصاعد فوق البيوت، وأصوات الانفجارات تختلط ببكاء الأطفال وصراخ الأمهات ونداءات الناس على من فقدوا تحت الأنقاض. وبين كل ضربة وأخرى، يحاول الناس أن يستعيدوا أنفاسهم، أن يجدوا ماءً، أو طعامًا، أو مكانًا ينام فيه أطفالهم دون أن يفزعوا من صوت انفجار جديد.
لم يعد الركام مجرد أثر للدمار، بل تحول إلى جزء من تفاصيل الحياة اليومية. يجلس الناس قربه، يمرون بجانبه، يبحثون بين حجارته عن مقتنياتهم، عن صورهم، عن ذكرياتهم، وأحيانًا عن أحبائهم الذين غابوا تحت الأنقاض.
وفي الأزقة الضيقة، تتكدس قصص النزوح. عائلات تركت منازلها أكثر من مرة، وأطفال كبروا قبل أوانهم، ونساء يحملن ما استطعن إنقاذه من بيوتهن، ورجال يقفون عاجزين أمام أسئلة أبنائهم التي لا يملكون لها جوابًا: إلى أين نذهب؟ وأين يمكن أن نكون آمنين؟
غزة لا تعيش حربًا في الأخبار فقط، بل تعيشها في تفاصيل يومها. في الطريق إلى الخبز، في البحث عن الماء، في الانتظار أمام أبواب المساعدات، وفي النوم المتقطع الذي تقطعه أصوات الطائرات والانفجارات. حتى الليل، الذي كان يومًا مساحة للراحة، أصبح وقتًا يزداد فيه القلق، وتبقى فيه العيون مفتوحة تترقب المجهول.
ومع ذلك، وسط هذا المشهد الثقيل، ما زال أهل غزة يتمسكون بالحياة. يفتح صاحب المتجر أبوابه حين يستطيع، ويذهب الطالب إلى مدرسته حين تتاح له الفرصة، وتحاول الأمهات إعداد وجبة بسيطة لأطفالهن، ويبحث الناس عن لحظة فرح صغيرة وسط أيام مثقلة بالخوف.
إنها غزة التي لم يعد أهلها يطلبون الكثير؛ يريدون فقط صباحًا بلا انفجار، ليلة بلا خوف، طريقًا يمكن عبوره دون أن يتحول إلى فاجعة، وبيتًا يستطيع الطفل أن ينام فيه دون أن يسأل أمه: «هل سنبقى هنا حتى الصباح؟»
في غزة، أصبح البحث عن الأمان رحلة لا تنتهي، وكلما ظن الناس أنهم وجدوا مكانًا يحميهم، أعادهم القصف إلى نقطة البداية.
غزة اليوم ليست مجرد مدينة تحت النار، بل حكاية شعب يحاول أن يبقى حيًا، وأن يحافظ على ما تبقى من إنسانيته، في واقع أصبح فيه الوصول إلى مكان آمن أمنية، والنوم دون خوف حلمًا، والعودة إلى بيت لم يعد قائمًا ذاكرةً لا يستطيع أصحابها التخلي عنها.
وبين الركام والطرقات، بين الخوف والصبر، تواصل غزة كتابة حكايتها، لا بالحبر، بل بأيامها الثقيلة، وبوجوه أطفالها، وبأيدي أهلها التي ما زالت تمتد نحو الحياة رغم كل ما يحاصرها.

