مقال محمود البسيوني
في لحظات الأزمات الكبرى، تظهر معاني القيادة الحقيقية في نظر الشعوب؛ فحين تضيق المساحات، وتتعقد الحسابات، ويصبح الإنسان هو الثمن الأكبر للصراع، يبحث الناس عن موقف واضح، وعن دولة تستطيع أن تقول كلمتها، وأن تتحرك عندما تتوقف الكلمات.
ومن هذه الزاوية، ينظر مؤيدو الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى تجربته باعتبارها نموذجًا لقيادة وضعت أمن مصر واستقرارها في مقدمة الأولويات، وفي الوقت نفسه أبقت القضية الفلسطينية حاضرة في قلب التحرك المصري.
وغزة ليست مجرد بقعة جغرافية بالنسبة إلى المصريين.
غزة وجع قريب، وصوت يسمعه المصريون عبر الحدود، ودموع أطفالها تصل إلى كل بيت عربي. وبين مصر وفلسطين حكاية طويلة من الدم والتاريخ والمصير المشترك، ولذلك لم يكن من السهل على القاهرة أن تنظر إلى ما يحدث في القطاع باعتباره أزمة بعيدة.
ومع تصاعد الأزمات في غزة، ظهر الدور المصري في ملفات المساعدات الإنسانية، واستقبال الجرحى، والوساطة والاتصالات السياسية المتعلقة بالتهدئة، إلى جانب الموقف المصري المعلن الرافض لتهجير الفلسطينيين من أرضهم.
وهنا تتشكل الصورة التي يطرحها مؤيدو السيسي: رئيس يقود دولة تواجه أزمات داخلية وضغوطًا إقليمية، لكنه لا يرى غزة قضية هامشية يمكن تجاوزها.
فمصر، بالنسبة إلى الفلسطينيين، ليست دولة عابرة في المشهد.
هي الجار الأقرب، والحدود التي تربط غزة بالعالم العربي، والدولة التي تمتلك تاريخًا طويلًا في التعامل مع القضية الفلسطينية. ولهذا فإن أي تحرك مصري تجاه غزة يحمل وزنًا سياسيًا وإنسانيًا يتجاوز حدود البيانات الرسمية.
وفي الداخل المصري أيضًا، ارتبط اسم السيسي خلال السنوات الماضية بمشروعات قومية ومبادرات اجتماعية تستهدف تطوير البنية الأساسية وتحسين الخدمات في مناطق وقرى مختلفة، وفي مقدمتها مبادرة «حياة كريمة».لكن السياسة لا تُقاس بالمشاعر وحدها.فالقيادة مسؤولية، والدولة مؤسسات، والمواطن من حقه أن يسأل ويناقش ويحاسب.
وفي القضية الفلسطينية تحديدًا، تبقى النتائج على الأرض هي المعيار الأهم لأي تحرك سياسي أو إنساني.ومع ذلك، فإن المشهد بالنسبة إلى مؤيدي الرئيس يحمل رسالة واضحة: مصر لن تنفصل عن محيطها العربي، وفلسطين ستظل حاضرة في حسابات القاهرة.
ومن هنا يأتي التعبير العاطفي الذي يصف السيسي، في عيون مؤيديه، بأنه «أب المصريين وسند غزة»؛ تعبيرًا عن صورة قيادة يرون أنها تحمل مسؤولية حماية الدولة المصرية، وفي الوقت نفسه تقف سياسيًا وإنسانيًا إلى جانب الفلسطينيين في واحدة من أصعب المراحل التي مرت بها المنطقة.وفي النهاية، تبقى غزة أكبر من الأشخاص، وفلسطين أكبر من الحكومات، ومصر أكبر من أي رئيس.
لكن عندما تشتد العاصفة، تظل مواقف الدول حاضرة في ذاكرة الشعوب.
وسيظل المصريون والفلسطينيون يتذكرون أن بين النيل وغزة حكاية لا تستطيع الحروب أن تمحوها، وأن فلسطين ستبقى قضية حاضرة في الوجدان المصري والعربي، مهما تغيرت الظروف وتبدلت الحسابات.
فمصر، كما يردد المصريون والفلسطينيون، ليست بعيدة عن فلسطين؛ وغزة ليست بعيدة عن قلب مصر.

