بقلم: يونس صلاح
ليس كل أكتوبر شهرًا عابرًا في ذاكرة الشعوب، فهناك أيام تتحول إلى حكايات تتناقلها الأجيال، وهناك تواريخ تختصر معاني الكرامة والصمود والانتماء. وبين أكتوبر مصر عام 1973، وأكتوبر غزة عام 2023، تمتد حكاية عربية لا تختصرها السنوات، وتربط بين شعبين جمعتهما الجغرافيا والتاريخ والدموع والأحلام، وتبقى فيها مصر وفلسطين أقرب من أن تفصل بينهما حدود، وأعمق من أن تختصر علاقتهما خلافات السياسة وتباينات المواقف.
في السادس من أكتوبر عام 1973، عبر الجنود المصريون قناة السويس، وخاضوا حربًا لاستعادة الأرض التي احتلتها القوات الإسرائيلية عام 1967. لم يكن ذلك اليوم مجرد معركة عسكرية في تاريخ مصر، بل محطة استثنائية في الذاكرة المصرية والعربية، ارتبطت بمعاني الإرادة والثقة بالنفس والقدرة على مواجهة الاحتلال. ومنذ ذلك الوقت، بقي أكتوبر حاضرًا في الوجدان المصري بوصفه رمزًا للتضحية واسترداد الكرامة الوطنية.
وبعد خمسين عامًا، جاء السابع من أكتوبر عام 2023، ليجد قطاع غزة نفسه أمام فصل جديد من الألم والمواجهة، ثم حرب إسرائيلية مدمرة غيّرت ملامح الحياة في القطاع، وأثقلت ذاكرة الفلسطينيين بصور الشهداء والدمار والنزوح وفقدان البيوت والأحبة.
اختلفت الظروف والسياقات بين أكتوبر مصر وأكتوبر غزة، لكن الأرض التي تبحث عن حريتها، والإنسان الذي يتمسك بكرامته، والذاكرة التي ترفض الاستسلام، ظلت معاني حاضرة في الحالتين. ففي مصر، يستحضر الناس ذكرى العبور واستعادة الأرض، وفي غزة، يستحضر الفلسطينيون حقهم في الحياة والحرية وإنهاء الاحتلال، وسط واقع إنساني بالغ القسوة دفع ثمنه المدنيون من أرواحهم وأمنهم ومستقبل أطفالهم.
وليس من العدل أن نختزل أكتوبر مصر وأكتوبر غزة في مقارنة عسكرية أو سياسية؛ فلكل منهما ظروفه وتفاصيله ونتائجه، لكن بينهما مساحة إنسانية وتاريخية واسعة، تتمثل في حق الشعوب في الكرامة، وفي رفض أن يصبح الاحتلال قدرًا أبديًا، وفي الإيمان بأن قوة الأمم لا تقاس بالسلاح وحده، بل بقدرتها على حماية الإنسان وصون الأرض والحفاظ على الذاكرة الوطنية.
مصر ليست بعيدة عن غزة، وغزة ليست غريبة عن مصر.
إنها علاقة صنعتها الجغرافيا قبل السياسة، وعززتها سنوات طويلة من التداخل الاجتماعي والتاريخي، وعمّقتها القضية الفلسطينية في الوجدان المصري. فالفلسطيني الذي ينظر إلى مصر لا يرى مجرد دولة مجاورة، بل يرى بلدًا عربيًا كبيرًا يرتبط معه بوشائج التاريخ والمصير، والمصري الذي يتابع أخبار غزة لا يرى شعبًا بعيدًا عنه، بل يرى وجوهًا تشبه وجوه أهله، وأطفالًا يستحقون الحياة، وعائلات تبحث عن الأمان، ومدينة تقاوم النسيان رغم كل ما حل بها.
وقد تجلت هذه الروابط في محطات عديدة من التاريخ، من خلال المواقف المصرية تجاه القضية الفلسطينية، والجهود السياسية والإنسانية خلال الحرب على غزة، والسعي إلى وقف إطلاق النار وإيصال المساعدات الإنسانية، ورفض تهجير الفلسطينيين قسرًا من أرضهم. وهي مواقف تؤكد أن القضية الفلسطينية ليست شأنًا بعيدًا عن مصر، بل قضية ترتبط بأمن المنطقة واستقرارها وبحق الشعب الفلسطيني في أرضه ومستقبله.
ولعل معبر رفح، بما يحمله من دلالات جغرافية وإنسانية، يمثل أحد أكثر المشاهد تعبيرًا عن تداخل المصير بين الجانبين. فعلى امتداد سنوات، ارتبط اسم المعبر بحركة الناس والمرضى والجرحى والمساعدات، وأصبح حاضرًا بقوة في تفاصيل المعاناة الغزية، خصوصًا خلال الحرب. وفي مثل هذه اللحظات، لا يحتاج الفلسطيني والمصري إلى خطابات طويلة ليفهما أن ما يجري في غزة ليس خبرًا عابرًا، وأن المأساة الإنسانية حين تقع على مقربة من الحدود لا يمكن أن تبقى بعيدة عن الضمير.
لكن الأخوة الحقيقية لا ينبغي أن تكون مجرد عاطفة تظهر وقت الحرب، ثم تتراجع مع تغير الظروف. إنها مسؤولية مستمرة، تتطلب تعزيز الروابط الشعبية والثقافية والإعلامية، وفتح مساحات أوسع للتفاهم، والابتعاد عن كل خطاب يسعى إلى تحويل الاختلاف في الرأي إلى خصومة بين شعبين لم تجمعهما المصالح العابرة وحدها.
ومن هنا، فإن مسؤولية الإعلام المصري والفلسطيني كبيرة في حماية هذه العلاقة من محاولات التشويه والتأويل، وفي التمييز بين نقد موقف سياسي محدد وبين الإساءة إلى شعب كامل. فمن حق الناس أن يناقشوا السياسات والقرارات، وأن يختلفوا في تقدير المواقف، لكن ليس من الحكمة أن يتحول الخلاف إلى اتهامات جماعية أو لغة تزرع الكراهية بين المصريين والفلسطينيين.
فالعدو الحقيقي لهذه الأخوة هو الاحتلال الذي يواصل سياساته على حساب الأرض والإنسان، وهو كل مشروع يسعى إلى اقتلاع الفلسطيني من أرضه أو تحويل معاناته إلى أمر اعتيادي تتعايش معه المنطقة والعالم. ولا ينبغي أن تسمح الخلافات أو الحملات الإعلامية بأن ينشغل الأشقاء ببعضهم عن جوهر القضية: شعب فلسطيني يريد حريته، وأرض محتلة تنتظر إنهاء الاحتلال، وأجيال تستحق أن تعيش بعيدًا عن الخوف والحصار والحروب.
يا أبناء مصر، إن في غزة قلوبًا تعرف مكانة مصر، وتدرك عمق الروابط التي تجمع الشعبين، مهما اشتدت الظروف وتباينت القراءات. ويا أبناء فلسطين، إن في مصر شعبًا يحمل في ذاكرته محطات طويلة من العلاقة مع فلسطين، ويعرف أن استقرار المنطقة لا ينفصل عن إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية، يحفظ حقوق الفلسطينيين وكرامتهم.
ليس المطلوب أن نتفق في كل شيء، ولا أن نتجاهل تعقيدات السياسة، بل أن نختلف دون أن نتخاصم، وأن ننتقد دون أن نهين، وأن نترك باب الأخوة مفتوحًا مهما ارتفعت أصوات الخلاف.
فأكتوبر مصر ذاكرة عبور واستعادة أرض، وأكتوبر غزة ذاكرة حرب ومعاناة وتمسك بالحقوق. وبين أكتوبرين تقف حقيقة لا ينبغي أن تضيع: أن كرامة الإنسان العربي واحدة، وأن الدمعة الفلسطينية ليست بعيدة عن القلب المصري، وأن الجرح حين يصيب غزة لا تمحوه المسافات من ذاكرة الأشقاء.
ستبقى مصر وفلسطين أكثر من جارين؛ ستبقيان شعبين تجمعهما ذاكرة طويلة، وروابط لا تصنعها السياسة وحدها، وأمل في مستقبل تكون فيه الأرض لأهلها، والكرامة لشعوبها، والحياة لأطفالها.
وفي النهاية، ليست الأخوة أن نتشابه في كل المواقف، بل أن نحفظ الود حين نختلف، وأن نقف في وجه كل من يريد تحويل الأشقاء إلى خصوم، وأن نتذكر دائمًا أن الاحتلال هو من يقتطع الأرض، وأن الشعوب التي تجمعها روابط التاريخ تستحق أن تصون ما بينها من محبة وتكافل واحترام.
من أكتوبر مصر إلى أكتوبر غزة، تبقى الرسالة واحدة: لا تجعلوا الخلافات تهدم جسور الأخوة، ولا تسمحوا للاحتلال بأن ينتصر على قلوب الأشقاء قبل أرضهم.

