واشنطن _ برق غزة
في أروقة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) المرموق في ولاية ماساتشوستس الأمريكية، تحوّل مقرر دراسي اقترحه أستاذ اللسانيات المخضرم ميشيل ديغراف إلى قضية تتجاوز حدود القاعات الجامعية، لتفتح بابًا واسعًا للنقاش حول حرية التعبير، واستقلال الجامعات، وحدود المسموح به عندما يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية.
المقرر الذي حمل عنوانًا لافتًا: «اللغة واللسانيات من أجل إنهاء الاستعمار والتحرر من أجل السلام وبناء المجتمع – من النهر إلى البحر في فلسطين وإسرائيل»، لم يكن مجرد مادة أكاديمية تقليدية، بل طرح أسئلة تتصل بدور اللغة في تشكيل الوعي، وكيف يمكن للمفردات والمصطلحات أن تعكس موازين القوة، وتؤثر في فهم المجتمعات للصراعات السياسية والتاريخية.
غير أن القضية لم تتوقف عند مضمون المقرر، بل امتدت إلى مستقبل الأستاذ نفسه داخل الجامعة، بعدما أصبح موضوع خلاف بشأن طبيعة المقرر ومحتواه وموقف المؤسسة التعليمية منه. ووفقًا للتقرير المتداول، وجد ديغراف نفسه في وضع يثير التساؤلات، إذ يتقاضى راتبه بينما يُمنع من التدريس، في مشهد يضع مبادئ الحرية الأكاديمية أمام اختبار حقيقي.
وتكمن أهمية هذه القضية في أن الجامعات الكبرى لا تُقاس مكانتها بما تمتلكه من مختبرات ومراكز أبحاث وتصنيفات عالمية فحسب، بل بقدرتها أيضًا على حماية النقاش العلمي، واستيعاب الآراء المختلفة، والسماح للباحثين بطرح الأسئلة الصعبة بعيدًا عن الضغوط السياسية.
فإذا كانت الجامعة فضاءً لإنتاج المعرفة، فإن تقييد النقاش حول قضية سياسية أو تاريخية شديدة الحساسية يثير تساؤلات مشروعة عن الحدود الفاصلة بين إدارة المؤسسة التعليمية وفرض القيود على حرية البحث والتدريس. ولا يعني ذلك أن كل مقرر أكاديمي يجب أن يكون بمنأى عن المراجعة والنقد، بل إن أي مراجعة ينبغي أن تستند إلى معايير واضحة وإجراءات عادلة، لا إلى مجرد اختلاف المواقف السياسية.
فلسطين في قلب الجدل الجامعي
لم تعد فلسطين موضوعًا بعيدًا عن النقاشات داخل الجامعات الأمريكية، خصوصًا مع اتساع الاحتجاجات الطلابية المؤيدة للفلسطينيين، وتصاعد الجدل بشأن الحرب على غزة، ومواقف المؤسسات التعليمية من التعبير عن التضامن مع الشعب الفلسطيني.
وفي هذا السياق، أصبحت المصطلحات المرتبطة بفلسطين موضع خلاف يتجاوز اللغة إلى السياسة والهوية والتاريخ. فعبارة «من النهر إلى البحر»، الواردة في عنوان المقرر، تحمل دلالات وتفسيرات متباينة لدى الأطراف المختلفة؛ إذ يراها مؤيدون للتطلعات الفلسطينية تعبيرًا عن الحرية والحقوق وتقرير المصير، بينما يفسرها منتقدون باعتبارها تهديدًا لوجود الكيان الصهيوني. ولذلك فإن التعامل الأكاديمي معها يستدعي مناقشة سياقاتها التاريخية والسياسية، بدل الاكتفاء بإطلاق الأحكام المسبقة على أصحابها.
وتبرز هنا مفارقة تستحق التأمل: كيف يمكن للجامعة أن تدعو إلى التفكير النقدي، ثم تجد نفسها أمام صعوبة في احتضان نقاش يتعلق بقضية تحظى بحضور عالمي واسع؟ وكيف يمكن التوفيق بين مسؤولية المؤسسات التعليمية في توفير بيئة آمنة للطلاب، وبين حق الأساتذة والباحثين في دراسة القضايا السياسية والتاريخية المثيرة للجدل؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تكون بإلغاء حق أي طرف في النقد أو الاعتراض، بل بإرساء قواعد متوازنة تضمن حرية النقاش، وترفض التحريض والتمييز، وتفصل بين الاختلاف في الرأي والممارسات التي تنتهك حقوق الآخرين.
حين يصبح الأستاذ عنوانًا لقضية أكبر
إن ما يجعل قضية ميشيل ديغراف لافتة هو أنها تضع العلاقة بين المعرفة والسلطة تحت المجهر. فالأستاذ الجامعي لا يؤدي وظيفة تعليمية فحسب، بل يشارك في بناء أدوات التفكير لدى الأجيال الجديدة، ويمنح الطلاب القدرة على فحص الروايات السائدة، ومقارنة الحجج، وفهم التاريخ بعيدًا عن التبسيط والانتقائية.
وعندما يتحول خلاف بشأن مقرر دراسي إلى مسألة تمس قدرة أستاذ على مواصلة التدريس، يصبح من الضروري معرفة الأسس التي استندت إليها إدارة الجامعة في قراراتها، وما إذا كانت الإجراءات المتخذة تتوافق مع القواعد الأكاديمية المعمول بها، وما إذا أُتيحت للأستاذ فرصة عادلة لعرض موقفه والدفاع عن عمله العلمي.
كما أن استمرار صرف الراتب، إن صحّ ما أورده التقرير، لا يحسم وحده طبيعة القضية؛ فالمسألة الأهم تتعلق بحق الأستاذ في أداء مهامه، ووضوح الإجراءات التي اتخذتها المؤسسة، ومدى اتساقها مع المبادئ التي تعلن الجامعات الدفاع عنها.
فلسطين واختبار المبادئ
تتجاوز دلالات هذه القضية حدود أستاذ أو جامعة، لتلامس سؤالًا أوسع يتعلق بمكانة فلسطين في المجال الأكاديمي الغربي، وبقدرة المؤسسات التعليمية على التعامل مع القضية بوصفها موضوعًا مشروعًا للبحث والنقاش، لا مساحة محظورة لمجرد حساسيتها السياسية.
فالحرية الأكاديمية لا تعني إعفاء الأفكار من النقد، كما لا تعني أن تتحول الجامعات إلى منصات لتبني موقف سياسي واحد. إنها تعني أن تكون المعرفة خاضعة للبحث والحوار، وأن يتمكن الباحث من تقديم أطروحته ومناقشتها، وأن تُقيَّم الأعمال وفق معايير علمية ومؤسسية واضحة.
وفي المقابل، فإن الدفاع عن حرية التعبير لا يكتمل إلا برفض التحريض والكراهية والتمييز ضد أي جماعة، وبضمان أن يبقى النقاش السياسي مفتوحًا أمام الحجج والوقائع، لا خاضعًا للضغط أو التخويف.
في النهاية، تضع قضية ميشيل ديغراف الجامعات الأمريكية أمام سؤال جوهري: هل تستطيع المؤسسة الأكاديمية حماية حق الاختلاف عندما يصبح موضوع النقاش فلسطين، بكل ما تحمله من تاريخ وصراع ومواقف متعارضة؟
إن قوة الجامعات لا تظهر عندما تتفق الآراء داخل قاعاتها، بل عندما تستطيع إدارة الاختلاف دون التضحية بالنزاهة العلمية أو تحويل الخلاف السياسي إلى عقوبة أكاديمية. أما فلسطين، التي أصبحت محورًا لنقاش عالمي واسع، فستظل حاضرة في ميادين المعرفة والإعلام والاحتجاج، لأن الأسئلة المتعلقة بالحرية والعدالة والحقوق لا تختفي بمجرد إبعادها عن قاعة دراسية.

