يونس صلاح- برق غزة
بين مبررات الواقع الميداني وأزمة الشرعية السياسية، يعود تأجيل الانتخابات الفلسطينية ليضع مستقبل النظام السياسي أمام اختبار جديد، في وقت ينتظر فيه الفلسطينيون فرصة لاختيار ممثليهم وتجديد مؤسساتهم الوطنية.
أعاد قرار الرئيس الفلسطيني محمود عباس تأجيل الانتخابات التشريعية والرئاسية إلى سبتمبر/أيلول 2027 المشهد السياسي الفلسطيني إلى دائرة الجدل، بعدما كان الفلسطينيون يترقبون استحقاقًا انتخابيًا يعيد فتح أبواب المشاركة الديمقراطية، ويمنح المؤسسات الفلسطينية فرصة لاستعادة شرعيتها عبر صناديق الاقتراع.
وجاء القرار في ظل ظروف ميدانية وسياسية معقدة، تتعلق بالأوضاع في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس، والعقبات المرتبطة بإجراء انتخابات تشمل جميع الأراضي الفلسطينية. واستندت الرئاسة الفلسطينية إلى عدم توافر الظروف اللازمة لإجراء اقتراع حر ونزيه، مشيرة إلى القيود التي يفرضها الاحتلال، بما فيها ما يتعلق بالمواد الانتخابية والمراقبين في قطاع غزة.
لكن القرار، رغم المبررات المطروحة، لم ينهِ الأسئلة بشأن مستقبل الانتخابات، بل فتح نقاشًا أوسع حول حدود الممكن سياسيًا، ومدى قدرة القيادة الفلسطينية على تحويل التأجيل إلى محطة لإعادة ترتيب البيت الداخلي، بدل أن يصبح موعدًا جديدًا يضاف إلى سلسلة الاستحقاقات المؤجلة.
حماس ترحب.. فهل يتحول التأجيل إلى حوار وطني؟
رحبت حركة حماس بالقرار، مؤكدة تمسكها بمبدأ إعادة بناء المؤسسات الوطنية عبر مسار ديمقراطي نزيه، وداعية إلى حوار وطني شامل وجاد يفضي إلى تفاهمات ملزمة بشأن ترتيب البيت الفلسطيني وإعادة بناء المؤسسات.
ويعكس هذا الموقف، وفق ما أعلنته الحركة، ربطها بين إجراء الانتخابات وتوافر الظروف السياسية والأمنية والميدانية المناسبة، مع التأكيد على ضرورة معالجة الخلافات الفلسطينية عبر الحوار.
غير أن الرهان الحقيقي لا يتعلق بالتصريحات وحدها، بل بقدرة الفصائل على تحويل هذه الدعوات إلى خطوات ملموسة، تتضمن جدولًا واضحًا للحوار، وتفاهمات بشأن النظام السياسي، وضمانات تمنع تكرار الخلافات التي عطلت الانتخابات طوال السنوات الماضية.
فالفلسطينيون لا يحتاجون إلى جولة جديدة من الاجتماعات التي تنتهي ببيانات عامة، بل إلى توافق يحدد شكل المؤسسات الوطنية، وآليات تجديدها، وكيفية ضمان مشاركة الجميع، مع احترام إرادة الناخبين ونتائج صناديق الاقتراع.
دحلان يرفع سقف الانتقاد.. وأزمة الشرعية تعود إلى الواجهة
في المقابل، وجّه القيادي الفلسطيني محمد دحلان انتقادات حادة إلى قرار التأجيل، معتبرًا أنه يمس الديمقراطية وحق الشعب الفلسطيني في اختيار ممثليه، محذرًا من استمرار تعطيل المؤسسات الوطنية وإبعاد المواطنين عن عملية صنع القرار.
وتكتسب هذه الانتقادات أهمية إضافية في ظل الحديث عن تحركات وتفاهمات سياسية بين قوى فلسطينية مختلفة كانت تستعد لخوض الانتخابات، بما يعكس حجم التنافس على شكل القيادة الفلسطينية المقبلة.
لكن الجدل بين مؤيدي القرار ومعارضيه لا يمكن اختزاله في خلاف شخصي أو تنافس بين القيادات؛ فالمسألة تتعلق بحق سياسي عام، وبمدى قدرة النظام الفلسطيني على تجديد شرعيته، وإتاحة المجال أمام التعددية والمحاسبة والتداول الديمقراطي.
وفي الوقت نفسه، فإن انتقاد التأجيل يفرض على القوى المعارضة تقديم تصور عملي يتعامل مع العقبات الميدانية، ويطرح ضمانات لإجراء الانتخابات في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، حتى لا يبقى الاعتراض محصورًا في رفض القرار دون توفير مسار قابل للتنفيذ.
وزير خارجية الاحتلال يرفض الاتهامات.. والعقبات تبقى في صلب الأزمة
على الجانب الآخر، رفض وزير خارجية الاحتلال الاتهامات المتعلقة بمسؤولية الاحتلال عن عرقلة الانتخابات، في موقف يعكس استمرار الخلاف بشأن دور الإجراءات الإسرائيلية في تحديد إمكانية إجراء الاقتراع الفلسطيني.
وتبقى القدس المحتلة واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في هذا الملف، إلى جانب القيود المفروضة على الحركة والعمل الميداني، والدمار الواسع في قطاع غزة، والصعوبات اللوجستية والأمنية التي تواجه تنظيم عملية انتخابية شاملة.
ولا يمكن فصل هذه العقبات عن واقع الاحتلال وسياساته في الأراضي الفلسطينية، كما لا يمكن تجاهل مسؤولية الانقسام الداخلي عن إضعاف المؤسسات وتعطيل التوافقات السياسية.
ومن هنا، فإن معالجة الأزمة تتطلب موقفًا فلسطينيًا موحدًا يحدد العقبات بوضوح، ويوثقها، ويطالب بضمانات حقيقية تتيح للفلسطينيين ممارسة حقهم في الاختيار، بدل أن تتحول الخلافات حول المسؤوليات إلى سبب إضافي لاستمرار الأزمة.
من التأجيل إلى استعادة القرار الوطني
إن أخطر ما قد ينتج عن تأجيل الانتخابات ليس مجرد تأخر موعد الاقتراع، بل ترسيخ شعور متزايد لدى المواطنين بأن مستقبل مؤسساتهم يُدار بعيدًا عن مشاركتهم المباشرة، وأن الخلافات السياسية باتت أقوى من القدرة على تجديد الحياة الديمقراطية.
فالشرعية السياسية لا تتجدد بالتصريحات، ولا تُبنى بالاتفاقات المؤقتة وحدها، بل تحتاج إلى مؤسسات فاعلة، ومحاسبة واضحة، واحترام لإرادة الشعب، ومسار انتخابي لا يخضع للتأجيل المفتوح.
وبين ترحيب حماس، وانتقادات دحلان، وموقف وزير خارجية الاحتلال، يبقى السؤال الأهم: هل يتحول الموعد الجديد إلى فرصة فعلية لإعادة بناء التوافق الفلسطيني، أم يستمر الانقسام في استنزاف الثقة بالمؤسسات؟
إن المرحلة المقبلة تتطلب حوارًا وطنيًا جادًا، وخطة واضحة للتحضير للانتخابات، وضمانات سياسية وقانونية لتنفيذها في موعدها المعلن. فالقضية الفلسطينية، في ظل ما تواجهه من تحديات الاحتلال والتهجير والدمار، تحتاج إلى جبهة داخلية متماسكة ومؤسسات تستند إلى إرادة شعبها.
وفي نهاية المطاف، لا ينبغي أن يكون تأجيل الانتخابات نهاية النقاش، بل بداية مساءلة وطنية شاملة تضع حق الفلسطينيين في اختيار ممثليهم فوق الحسابات الفئوية، وتجعل استعادة الوحدة وتجديد الشرعية هدفًا عمليًا لا شعارًا يتكرر مع كل أزمة.

