يونس صلاح _ برق غزة
في غزة، لا تعني الهدنة بالضرورة أن الخطر قد انتهى، ولا تكفي التصريحات السياسية لطمأنة شعب ما زال ينتظر الأمان وسط الدمار والخوف. فمع استمرار سقوط الشهداء والجرحى، تتجدد الأسئلة حول مستقبل وقف إطلاق النار، وما إذا كانت الانتخابات في الكيان الصهيوني ستنعكس على مسار التهدئة ومستقبل القطاع.
تعيش غزة مرحلة شديدة الحساسية، تتداخل فيها الأزمات الإنسانية مع الحسابات السياسية، فيما يبقى الفلسطينيون في مواجهة واقع قاسٍ لا تمنحه الاتفاقات المعلنة بالضرورة ما يحتاجه من استقرار. فالنازح ينتظر مأوى، والمريض يبحث عن العلاج، والعائلات تحاول تأمين احتياجاتها الأساسية، بينما يظل الخوف من تجدد التصعيد حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية.
انتخابات الكيان.. هل تتقدم الحسابات السياسية على الهدنة؟
مع اقتراب الانتخابات في الكيان الصهيوني، يبرز مستقبل قطاع غزة ضمن الملفات التي تثير التساؤلات بشأن توجهات المرحلة المقبلة. فالتغيرات السياسية قد تؤثر في طبيعة القرارات المتعلقة بالقطاع، كما تفتح الباب أمام احتمالات متعددة بشأن استمرار التهدئة أو تعقيد مسارها.
ولا يمكن الجزم بأن التطورات الميدانية ترتبط جميعها بالاستحقاق الانتخابي، لكن تزامن الأحداث يطرح تساؤلًا جوهريًا: هل تبقى التفاهمات القائمة ثابتة أمام التجاذبات السياسية، أم تصبح عرضة لتغير الأولويات والحسابات الداخلية؟
بالنسبة إلى سكان غزة، لا يتعلق الأمر بصراع سياسي بعيد عنهم، بل بمسألة تمس حياتهم مباشرة؛ فكل اضطراب في مسار التهدئة يضاعف مخاوفهم من العودة إلى المواجهة، ويؤجل آمالهم في استعادة الحد الأدنى من الاستقرار.
وقف إطلاق النار.. اختبار يتجاوز التصريحات
إن استمرار سقوط الشهداء والجرحى، وفق التطورات الميدانية المعلنة، يعيد طرح الأسئلة حول فاعلية وقف إطلاق النار، ومدى الالتزام ببنوده، وقدرة الأطراف المعنية على منع تكرار الخروقات وحماية المدنيين.
فالهدنة الحقيقية لا تُقاس بالإعلانات السياسية وحدها، وإنما بقدرتها على وقف نزيف الدم، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وتوفير الحماية للسكان، وتهيئة الظروف لعودة النازحين وإعادة إعمار ما دمرته الحرب.
أما بقاء المخاوف من التصعيد، فيعني أن القطاع لا يزال يعيش بين أمل الاستقرار واحتمال تجدد المعاناة، وأن الطريق نحو التعافي يحتاج إلى ضمانات واضحة وخطوات عملية، لا إلى وعود مؤقتة.
غزة تدفع ثمن الانتظار
خلف المشهد السياسي، هناك شعب أنهكته الحرب، وعائلات فقدت أحباءها، وأطفال يحاولون مواصلة حياتهم وسط ظروف استثنائية، ونازحون ينتظرون فرصة للعودة إلى منازلهم أو ما تبقى منها.
هؤلاء لا تعنيهم المنافسة الانتخابية بقدر ما تعنيهم نتائجها على أرض الواقع. فهم يريدون وقفًا فعليًا لإطلاق النار، وأمانًا يحمي أبناءهم، ومساعدات تلبي احتياجاتهم، وخطوات جادة تعيد الحياة إلى المدن والمخيمات التي أنهكها الدمار.
وفي ظل هذه المعاناة، يصبح التحرك الدولي ضرورة لضمان تنفيذ الالتزامات، ومراقبة التطورات الميدانية، ومنع تحول التهدئة إلى مجرد استراحة مؤقتة بين مراحل التصعيد.
الخلاصة
تقف غزة أمام مرحلة مفصلية، عنوانها المعلن وقف إطلاق النار، لكن واقعها لا يزال مثقلًا بالأسئلة والمخاوف. وبين الانتخابات في الكيان الصهيوني ومستقبل التفاهمات السياسية، يبقى الاختبار الحقيقي في قدرة الأطراف المعنية على حماية السكان ومنع تجدد الحرب.
فغزة ليست بندًا عابرًا في برنامج انتخابي، ودماء الشهداء ليست تفصيلًا في حسابات السياسة، وحياة الفلسطينيين لا يجوز أن تبقى معلقة على نتائج الصراعات الداخلية.
ما ينتظره أهل القطاع ليس تبدل الوجوه أو تغير الخطابات، بل أن تتحول الهدنة إلى أمان حقيقي، وأن يتوقف نزيف الدم، وأن يجد النازح طريق العودة، وأن يستعيد الإنسان الفلسطيني حقه في الحياة بعيدًا عن الخوف والدمار.

