لينا سكيك / وكالة برق غزة
قبل الفجر بقليل، وكلما اقتربت الساعة من الخامسة صباحًا، كان الخوف يسبق اللحظة ، صوت ضجيج العاصفة خارج السجن، وزنزانة ضيقة يكاد الهواء يختنق داخلها، ينتظر ساكنوها صوتًا واحدًا… صوت الباب الحديدي حين يُفتح، الذي كان بمثابة كابوس لجميع الأسرى ، يقتحم المكان صراخ الجنود ونباح الكلاب الشرسة، مع ركلات على الأبواب وضوء مصباح قوي يغمر العيون في ألم مفاجئ.الضرب، الشبح، الإهانة، الصعق بالكهرباء، ومنع الآذان… حتى البطانيات كانت ممنوحة لأربع ساعات فقط، والنوم على الأرض كان أقسى ما يمكن أن يُفرض على جسد أنهكته سنوات الأسر.
كان يُجبر الأسرى أحيانًا على ضرب أصدقائهم بأحذيتهم عقابًا على الحرمان من الطعام والشراب، وفقد البعض منهم الذاكرة والبصر نتيجة الإهمال الطبي.
هذه ليست مشاهد قاسية من رواية، بل جزء من شهادة الأسير منصور ريان، الذي تختبئ حكايته داخل زنزانة يسودها الظلم، قضى فيها تسعة عشر عامًا متحديًا الاحتلال بصموده، ومواصلًا مسيرته التعليمية.
هوية لا تُنفى… وحكاية لا تنكسربدأ منصور قصته بالتعريف عن نفسه
، قائلاً بابتسامة رقيقة تخفي خلفها جبالًا من الألم: “أنا أبا عبيدة، أسير محرر مبعد من الضفة الغربية إلى قطاع غزة”.
ثم سكت قليلًا، محاولًا استرجاع ذكريات مدينته التي وُلد بها، مضيفًا بابتسامة: “لا بأس، نحن نشعر أننا لسنا مبعدين، بل بين أهلنا وقومنا وشعبنا.
فأينما وجد التراب الفلسطيني فهو موطني، وأينما وجد اللاجئ الفلسطيني فهو قضيتي دون تردد”.من ظلال الأسر إلى نور المعرفةعندما كان ريان في السابعة عشر من عمره، نفذ عملية طعن قرب مستوطنة أرييل، ما أدى إلى مقتل مستوطن وإصابة زوجته.
تمكن منصور من الهرب إلى منطقة أحراش نام بها من التعب، وقال إنها كانت كأنها “شم رائحة الجنة”، قبل أن يُعتقل لاحقًا وتبدأ فصول معاناته.
يقول منصور، بملامح تسودها الصمود والتحدي: “أرادوا تحطيمنا، فحولنا السجن إلى مدرسة”.داخل جدران باردة لا ترى الشمس، واصل منصور تعليمه، حفظ القرآن، تعلم اللغات، وحصل على البكالوريوس ثم الماجستير، متحديًا قيود الأسر وظروفه القاسية.
من حرية مستعادة… إلى قبور للأحياءفي عام 2011، وبعد سبعة عشر عامًا من الاعتقال، خرج منصور ضمن صفقة شاليط. كانت غزة بالنسبة له مدينة الحب والسلام، فقرر أن يبدأ فيها حياة جديدة، وتزوج من فتاة غزية ، لكن لم يكتب له أن ينعم بالاستقرار طويلًا.
خلال الحرب الأخيرة على غزة، اعتُقل مجددًا وقضى عامين وصفهما بأنهما أشبه بـ “قبور للأحياء”، حياة لا هي موت، يُحاسب فيها الأسرى بلا حق، ويُحرمون من أبسط مقومات الحياة.
من ظلال الأسر إلى شعاع النورحتى جاء يوم غريب، بلا ملامح، نُقل فيه مع مجموعة من الأسرى إلى قسم جديد ، لم يكن أحد يعرف أن صفقة قريبة، لكن قلوبهم كانت تشعر بشيء…
خوف؟ أم أمل؟
ثم جاء الصوت الذي رافقه طوال عمره. الباب الحديدي يُفتح للمرة الأخيرة، لكن هذه المرة لم يكن للعذاب… كان للحرية.
صمود لا ينكسر… وحرية تُستحق.
أصوات الزغاريد، أناشيد الأسرى، الاحتفالات والاستقبال الحاشد بعد دُبُول أقدامهم على أرض غزة.لكن قلبه تلقى صفعة موجعة: استشهاد نجله الأكبر عبيدة قبل أيام من تحرره. ورغم ذلك، لم ينكسر.
في اليوم التالي، عاد ليواصل عمله الخيري في جمعية “قوافل الخير”، وكأن غزة جزء من تكوينه.حكاية منصور ريان ليست مجرد قصة أسير، بل قصة فلسطيني حمل سنوات السجن، ووجع الفقد، وجراح الوطن، لكنه ظل واقفًا، رغم أن الثمن كان باهظًا، وما زال يؤمن أن الحرية تستحق كل هذا الصبر.

