برق غزة / علياء الهواري
يثير موضوع تحليل الحمض النووي (DNA – דנ״א) في إسرائيل جدلًا واسعًا، لا سيما مع تداوله في سياق سياسي وإعلامي يربطه بالهوية، والانتماء، ورواية “بني إسرائيل”.
وبينما يُقدَّم أحيانًا باعتباره “محظورًا”، فإن الواقع القانوني أكثر تعقيدًا، ويكشف عن مساحة صدام بين الاعتبارات القانونية والدينية والسياسية.قانونيًا، لا يُجرى تحليل الـDNA في إسرائيل بشكل مفتوح أو تلقائي، خصوصًا في قضايا النسب والأبوة.
فهذه الفحوصات تخضع لإطار تشريعي صارم يقيّد استخدامها، ويشترط في كثير من الحالات صدور أمر قضائي، أو حصرها بأغراض طبية وتشخيصية محددة.
وتبرر السلطات هذا التشدد بحماية الخصوصية ومنع الإضرار بالنسيج الاجتماعي، خاصة في مجتمع تلعب فيه المؤسسة الدينية دورًا مؤثرًا في قضايا الأحوال الشخصية.
وتُعدّ الحاخامية الكبرى أحد أبرز الأطراف المؤيدة لتقييد اختبارات النسب، إذ ترى أن نتائجها قد تفتح الباب أمام الكشف عن أبناء “غير شرعيين” وفق التعريف الديني، ما يخلق أزمات قانونية واجتماعية، ويؤثر على الزواج والميراث والانتماء الديني.
ومن هنا، يُقدَّم الحفاظ على “تماسك الأسرة” بوصفه مبررًا مركزيًا لمنع التوسع في هذه الفحوصات.في المقابل، يذهب منتقدون إلى أن هذه القيود تتجاوز البعد الاجتماعي والديني، وتمس جوهر النقاش حول الهوية.
ويشير بعض الباحثين والناشطين إلى أن فتح المجال أمام تحاليل جينية واسعة قد يكشف تنوعًا عرقيًا وجينيًا كبيرًا داخل المجتمع الإسرائيلي، بما يتعارض مع الرواية الصهيونية السياسية التي تروّج لفكرة أصل عرقي واحد ومتصل تاريخيًا.
ووفق هذا الرأي، فإن القيود المفروضة لا تحمي الأسرة بقدر ما تحمي سردية سياسية وهوية مُصاغة بعناية.
غير أن علماء الوراثة يؤكدون أن الجينات، بحد ذاتها، لا تُثبت ادعاءات دينية أو سياسية، ولا تحسم قضايا الانتماء التاريخي أو الحقوق السياسية.
فالتحاليل الجينية تُظهر تقاطعات وتنوعات بشرية معقدة، ولا يمكن استخدامها كدليل قاطع لنفي أو إثبات “حق تاريخي” أو هوية قومية.
ويبقى الجدل قائمًا بين من يرى في تقييد تحليل الـDNA إجراءً قانونيًا-دينيًا لحماية المجتمع، ومن يعتبره أداة لإخفاء أسئلة محرجة تتعلق بالهوية والرواية المؤسسة لدولة الاحتلال.
وبين هذا وذاك، يتحول العلم إلى ساحة صراع رمزي، تتقاطع فيها السياسة بالدين، ويُترك السؤال مفتوحًا: هل الخوف من التفكك الأسري هو الدافع الحقيقي، أم أن هناك ما هو أعمق من ذلك.

