برق غزة / لينا سكيك
في تلك الليلة، لم تكن السماء تشبه السماء ، كانت سوداء كثوب حدادٍ طويل، مثقوبة بأصوات انفجارات لا تهدأ، كأن الحرب قررت أن لا تترك مكانًا للصمت ، داخل منزلٍ صغير، كان الدفء لا يزال يقاوم ، وعلى أرجوحةٍ ملوّنة تتدلّى من سقف الغرفة، جلست مها، طفلة في الثامنة من عمرها، تتأرجح بخفّة وتغنّي.
لم تكن الأغنية واضحة الكلمات، لكنها كانت واضحة المعنى: محاولة صغيرة، بريئة، لتسكين خوفٍ أكبر من عمرها ، كانت ترفع صوتها حين يعلو دويّ القصف، وتبتسم حين تتخيل أن الغناء قادر على حماية البيت ، وعلى حماية عائلتها.
في لحظةٍ واحدة، انشقّ الليل، تحوّل الظلام إلى نهارٍ مشتعل واهتزّ المكان كما لو أن الأرض نفسها تصرخ ، شظايا، نار، رائحة بارود، ثم صمتٌ قصير، تلاه سقوط.لم تكن مها على أرجوحتها بعد ذلك، وجدت نفسها في الشارع، وحدها، حافية، والبيت الذي كان قبل لحظاتٍ حضنًا دافئًا أصبح نارًا تلتهم كل شيء، كانت النار تتصاعد، والبرد يلسع جسدها الصغير.
اقتربت من اللهيب، لا بدافع الفضول، بل بدافع الحاجة؛ فالأطفال لا يعرفون من النار إلا أنها تمنح الدفء، وفجأة، نباحٌ عالٍ، كلبٌ خرج من العتمة، فارتدّ الخوف إلى قلبها دفعةً واحدة ، ابتعدت، احتمت بزاويةٍ بعيدة، التقطت حجرًا صغيرًا ووضعته تحت رأسها، حاولت أن تنام، لكن كيف ينام طفلٌ بينما العالم من حوله ينهار؟ البكاء سبق النوم، ارتجفت مها فتقول ” ناديت بأمي وابي واخوتي لكن لم يكن هناك استجابة، بعد دقائق سمعت أصواتهم وهم ينادونني.
ولكن في نفس اللحظة استهدف البيت مرة أخرى وانقطع صوتهم، في تلك اللحظة تأكت من استشهادهم” قضت ليلتها وحدها، تحت المطر والبرد، تحرسها السماء المشتعلة، وتلاحقها أصوات القصف ، لم يكن أحد يعلم بوجودها؛ الكهرباء مقطوعة، والإنترنت صامت، والعالم بعيد.
مع الصباح، اكتشفت أن الحرب تركت توقيعها على جسدها ،حروقٌ في وجهها، في رقبتها، في أطرافها.
نجت… لكنها كانت الناجية الوحيدة.خرجت من المستشفى، لا إلى بيتها، بل إلى بيتٍ آخر، وإلى حياةٍ لا تشبه عمرها.
لم يكتمل علاجها، وبقيت آثار الحروق شاهدةً على ليلةٍ لن تغادرها أبدًا.
اليوم، لا تتحدث مها عن اللعب، ولا عن الأرجوحة، ولا عن الأغاني، تنظر بعينين ممتلئتين بالدمع وتقول بصوتٍ خافت: «نفسي أرجع مع بابا وماما… ونفسي أطلع من غزة أتعالج، وأصير حلوة زي باقي البنات».
حلمٌ بسيط…لكن الحرب تعرف كيف تجعل حتى أبسط الأحلام بعيدة.

