برق غزة / فلسطين
يعلق سكان قطاع غزة، ولا سيما نحو مليون نازح، آمالًا واسعة على اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة القطاع، التي أُعلن عن تشكيلها مؤخرًا، في ظل أوضاع إنسانية واقتصادية هي الأصعب منذ اندلاع الحرب قبل أكثر من عامين.
وجاء الإعلان عن اللجنة باعتبارها جسمًا منبثقًا عن لجنة تنفيذية استشارية تابعة لما يُعرف بـ“مجلس السلام”، الذي أُعلن عن تشكيله برئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عقب الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار بين حركة حماس وإسرائيل.
ومع الكشف عن أسماء أعضاء اللجنة ورئيسها، تتزايد تساؤلات سكان القطاع حول إمكانية إحداث تغيير عملي في واقعهم المعيشي المتدهور، وما إذا كانت اللجنة قادرة على تقديم حلول ملموسة في المرحلة المقبلة، خاصة في ظل رفض إسرائيل مشاركة قطر وتركيا في المجلس التنفيذي، وتقارير تتحدث عن عرقلة دخول اللجنة الفلسطينية إلى قطاع غزة.
وخلفت الحرب دمارًا واسعًا في البنية التحتية للقطاع، تجاوزت نسبته، وفق تقديرات مختلفة، 90 في المائة، إضافة إلى مقتل وإصابة عشرات الآلاف من السكان، بحسب بيانات وزارة الصحة في غزة. كما لحقت أضرار شبه كاملة بقطاعات التعليم والصحة والعمل والبنية الأساسية.
ولا يزال الجيش الإسرائيلي يواصل القصف وإطلاق النار في مناطق يسيطر عليها داخل القطاع، تُقدَّر بأكثر من نصف مساحته، في وقت يعيش فيه نحو مليون ونصف شخص في خيام تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة، وسط نقص حاد في الخدمات الأساسية، وبطء في دخول المساعدات الإنسانية.
ويرى عدد من المواطنين أن تشكيل اللجنة يمثل بارقة أمل، وإن كانت مشوبة بالحذر. ويقول حازم السقا، وهو تاجر في سوق الزاوية بمدينة غزة، إن الواقع لم يشهد تغييرًا ملموسًا حتى الآن، مشيرًا إلى توفر البضائع مقابل أزمة سيولة وغلاء أسعار يحدّان من القدرة الشرائية، في ظل اقتصاد مدمّر وغياب مصادر الدخل.
وأضاف السقا أنه يرحب بتشكيل اللجنة وأعضائها، معربًا عن أمله في أن تنجح، بالتعاون مع مجلس السلام والمؤسسات الدولية، في توفير الخدمات الأساسية، قائلًا: “كفانا ألمًا وحصارًا ودمارًا”.
من جهته، يقول محمود حسونة، وهو نازح من مدينة غزة يقيم في مخيم الرمال، إن سكان القطاع باتوا مضطرين للقبول بأي مبادرة قد تخفف من معاناتهم، رغم التحفظات السياسية، آملًا أن تكون اللجنة مرحلة انتقالية قصيرة تفضي إلى عودة السلطة الفلسطينية أو تشكيل حكومة وحدة وطنية، منعًا لتعميق الانقسام بين غزة والضفة الغربية.
أما فلاح أبو عودة، النازح من بلدة بيت حانون شمالي القطاع، فيعبّر عن أمله في أن تسهم اللجنة في إطلاق عملية إعادة إعمار عاجلة تمكّنه من العودة إلى منزله، مؤكدًا أنه لم يلمس حتى الآن أي تغيير على الأرض، سواء في فتح المعابر أو تحسّن الحركة الاقتصادية.في المقابل، أعلنت إسرائيل رسميًا رفضها لبعض الترتيبات المرتبطة بتشكيل مجلس السلام واللجنة الوطنية، مشيرة إلى عدم التنسيق معها.
ووفق تقارير إعلامية إسرائيلية، يعود هذا الرفض إلى مشاركة تركيا وقطر في المجلس، وهو ما تعتبره تل أبيب مرفوضًا.
ويرى الكاتب والصحفي الغزي عاهد فروانة أن الحكومة الإسرائيلية تحاول التهرّب من التزامات المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، والتي تشمل انسحابًا كاملًا من القطاع، وفتح المعابر، والبدء بإعادة الإعمار، والتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، إضافة إلى تسليم حماس إدارة الحكم ونزع سلاحها، وهي خطوات يقول إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعارضها لأسباب سياسية داخلية.
من جهتها، أعلنت اللجنة الوطنية لإدارة غزة انطلاق أعمالها من القاهرة، حيث عقدت اجتماعات مع مسؤولين مصريين لبحث آليات إدارة شؤون القطاع وتنسيق الجهود الإنسانية.
ووقّع رئيس اللجنة علي شعث بيان مهمتها، مؤكدًا التزامها بإدارة مرحلة انتقالية تهدف إلى تحقيق الاستقرار والتنمية المستدامة، استنادًا إلى قرار مجلس الأمن رقم 2803 وخطة السلام الأمريكية.
وأوضح شعث أن مهام اللجنة تشمل إعادة الإعمار، واستعادة الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب دعم الأمن والنسيج المجتمعي، وتعزيز قيم السلام وسيادة القانون، مؤكدًا أن اللجنة ستعمل وفق معايير النزاهة والشفافية، وبما يدعم اقتصادًا منتجًا يوفّر فرص عمل حقيقية.
وبين الآمال الكبيرة التي يعلّقها سكان غزة على اللجنة، والعقبات السياسية والميدانية التي تواجهها، يبقى مستقبل عملها مرهونًا بقدرتها على تجاوز تلك التحديات، وتحويل الوعود المعلنة إلى خطوات ملموسة على أرض واقع مثقل بالدمار والمعاناة.

