برق غزة / فلسطين
كتب / نور الهدي ابو عودة
لم يكن التحول الأخير في خطاب المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، مجرد تغيير عابر في الأسلوب الإعلامي، بل بدا وكأنه انعطافة واضحة في طبيعة السردية التي يعتمدها الخطاب الرسمي الإسرائيلي في مخاطبة الجمهور. ففي وقتٍ قريب، ظهر أدرعي بلهجة تقلل من خطورة الصواريخ الإيرانية، واصفًا إياها بعبارات توحي بعدم تأثيرها العسكري، قبل أن ينتقل فجأة إلى خطاب مختلف يركّز على التحذير من تهديد المقدسات والحديث بلغة دينية مشحونة بالعاطفة.هذا التحول السريع يفتح الباب أمام تساؤل مشروع: لماذا تغيّرت النبرة الآن تحديدًا؟ ولماذا انتقل الخطاب من لغة التفوق العسكري والثقة الدفاعية إلى خطاب يستحضر الرمزية الدينية ويحاول مخاطبة مشاعر المسلمين؟في الحروب الحديثة، لا تقل المعركة الإعلامية أهمية عن المواجهة العسكرية. فالدول لا تدافع فقط بالصواريخ والمنظومات الدفاعية، بل أيضًا بالروايات التي تبنيها حول الأحداث. وعندما يتبدل الخطاب، فإن ذلك غالبًا ما يعكس تغيرًا في الظروف أو الحاجة إلى إعادة صياغة الرسائل الموجهة للجمهور.طوال سنوات، رُوّج للمنظومات الدفاعية الإسرائيلية باعتبارها درعًا شبه مطلق الحماية، وشكّل هذا الخطاب جزءًا أساسيًا من استراتيجية الردع النفسي. غير أن تصاعد التوترات الإقليمية مؤخرًا، وتزايد الحديث عن سقوط شظايا أو وصول تهديدات إلى مناطق حساسة، دفع الخطاب الإعلامي إلى مسار مختلف، حيث لم يعد التركيز منصبًا فقط على التفوق التقني، بل على البعد الرمزي والديني للصراع.هنا يظهر التحول الأبرز: الانتقال من خطاب عسكري عقلاني إلى خطاب عاطفي يستحضر المقدسات. فحين يُطرح الحديث عن “حماية أولى القبلتين” في سياق عسكري، يصبح الهدف أوسع من مجرد شرح تطورات ميدانية؛ إنه محاولة لإعادة تأطير الصراع ضمن إطار ديني قادر على استقطاب اهتمام وتعاطف جمهور أوسع.غير أن هذا التحول يثير جدلًا واضحًا لدى منتقدي السياسة الإسرائيلية، الذين يرون تناقضًا بين الحديث عن حماية المقدسات وبين الواقع الميداني المتوتر في محيط المسجد الأقصى والإجراءات الأمنية المفروضة عليه. ومن هنا، يتحول الخطاب الجديد إلى مادة نقاش سياسي وإعلامي حول حدود توظيف الدين في الصراعات المعاصرة.كما يقرأ بعض المحللين هذا التغير باعتباره مؤشرًا على انتقال المعركة إلى مستوى الرواية والتأثير النفسي، حيث لم يعد الهدف فقط إثبات التفوق العسكري، بل إدارة صورة الصراع أمام الرأي العام الإقليمي والدولي. فالخطاب الديني يمتلك قدرة أكبر على إثارة التفاعل العاطفي مقارنة بالخطاب العسكري الجاف، ما يجعله أداة فعالة في لحظات التوتر.في النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم هو ما قاله أدرعي، بل لماذا قيل بهذه الطريقة وفي هذا التوقيت. فالتحولات في اللغة السياسية غالبًا ما تكشف ما تعجز البيانات العسكرية عن قوله صراحة. وبين لغة القوة ولغة الرمزية، يبقى الخطاب الإعلامي ساحة موازية للصراع، تُعاد فيها صياغة الوقائع بقدر ما تُخاض فيها معركة التأثير على الوعي العام.
تابعنا عبر التليجرام للاخبار العاجلة

