برق غزة / غزة
كتبت علياء الهواري
في غزة، لا يحتاج الصحفي إلى موعدٍ مع الموت فالكاميرا نفسها قد تكون سببًا كافيًا للاستهداف.وهناك، حيث تختلط أصوات القصف بصوت البث المباشر، وحيث يتحوّل الميكروفون أحيانًا إلى شهادة وفاة مؤجلة، سقط الصحفي الفلسطيني حسان أبو وردة، مدير وكالة “برق غزة”، شهيدًا وهو يؤدي رسالته التي آمن بها حتى اللحظة الأخيرة.
لم يكن مجرد صحفي ينقل الأخبار، بل كان واحدًا من الأصوات التي حاولت أن تُبقي غزة حيّة في عيون العالم. رجلٌ اختار أن يبقى وسط النار، بينما كان كثيرون يبحثون عن النجاة.
لم يحمل سلاحًا، ولم يقف في ساحة قتال، لكنه كان يملك ما تخشاه إسرائيل أكثر من الرصاص: الحقيقة.في قطاع غزة، أصبحت مهنة الصحافة أقرب إلى السير فوق حقل ألغام. كل صورة قد تكون الأخيرة، وكل تقرير قد يُكتب بالدم قبل الحبر.
ومع ذلك، واصل حسان أبو وردة عمله، متنقلًا بين الركام والمستشفيات ومخيمات النزوح، يوثّق الحكايات التي حاول القصف دفنها تحت الأنقاض.زملاؤه يقولون إنه لم يكن يعرف الراحة. حتى في أصعب اللحظات، كان يبحث عن قصة جديدة، عن طفل نجا، أو أم فقدت أبناءها، أو بيت اختفى من الوجود.
كان يؤمن أن العالم إذا رأى الحقيقة كاملة، ربما يتحرك ضميره يومًا ما.لكن الحقيقة في غزة ثمنها باهظ.استهداف الصحفيين الفلسطينيين لم يعد حدثًا عابرًا أو “أضرارًا جانبية” كما تروّج الرواية الإسرائيلية، بل أصبح نمطًا متكررًا يثير تساؤلات خطيرة حول نية إسكات كل صوت ينقل ما يجري داخل القطاع.
فمنذ بداية الحرب، قُتل عشرات الصحفيين والعاملين في المجال الإعلامي، في واحدة من أكثر الفترات دموية على الإعلاميين في التاريخ الحديث.وكان حسان أبو وردة واحدًا من هؤلاء الذين دفعوا حياتهم ثمنًا للصورة والكلمة.
اللافت أن الرجل لم يكن مجرد مراسل ميداني، بل مديرًا لوكالة إخبارية محلية استطاعت رغم الإمكانيات المحدودة أن تكون مصدرًا للمعلومات والصور من قلب غزة.
وكالة “برق غزة” تحوّلت خلال الحرب إلى نافذة يتابع عبرها كثيرون تفاصيل ما يحدث داخل القطاع، خاصة مع صعوبة وصول الصحافة الأجنبية إلى بعض المناطق.وربما لهذا السبب تحديدًا، كان وجوده مؤثرًا.الصحفي في غزة لا يعمل وفق القواعد التقليدية للمهنة.
لا توجد مكاتب آمنة، ولا خطوط حمراء تحميه، ولا حتى وقت كافٍ للحزن. بعض الصحفيين كانوا يغطّون استشهاد أفراد من عائلاتهم ثم يعودون فورًا إلى البث المباشر. وفي أحيان كثيرة، كان الصحفي نفسه يتحول من ناقل للحدث إلى جزء منه خلال ثوانٍ معدودة.
وحسان أبو وردة كان يعيش هذه المعادلة يوميًا.لم يكن يبحث عن بطولة شخصية، بل كان يحاول أن يؤدي واجبه المهني والإنساني. وفي عالم أصبحت فيه الرواية سلاحًا، كان يدرك أن الصورة القادمة من غزة قد تفضح الكثير مما يحاول الاحتلال إخفاءه.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة بعد استشهاده:إلى متى سيظل الصحفي الفلسطيني هدفًا مشروعًا؟القوانين الدولية واضحة في ما يتعلق بحماية الصحفيين أثناء النزاعات المسلحة، لكن ما يحدث على الأرض يبدو مختلفًا تمامًا.
فالكاميرات تُقصف، ومقار المؤسسات الإعلامية تُستهدف، والصحفيون يُقتلون أمام العالم، بينما يكتفي المجتمع الدولي غالبًا ببيانات القلق والإدانة.وفي كل مرة يُقتل صحفي في غزة، لا يُقتل شخص واحد فقط، بل تُستهدف معه الرواية الفلسطينية نفسها.
لأن الاحتلال يدرك جيدًا أن أخطر ما يمكن أن يواجهه ليس فقط المقاومة المسلحة، بل الصورة التي تكشف حجم الدمار، والطفل الذي يخرج حيًا من تحت الأنقاض، والأم التي تصرخ فوق جثمان ابنها. هذه المشاهد لا تحتاج إلى تعليق سياسي، فهي وحدها قادرة على هزّ الرأي العام العالمي.
ولهذا، يصبح الصحفي خطرًا.استشهاد حسان أبو وردة أعاد فتح ملف الانتهاكات ضد الإعلاميين الفلسطينيين، وأعاد أيضًا سؤالًا مؤلمًا: كم صحفيًا يجب أن يُقتل حتى يتحرك العالم بجدية؟
ففي غزة، لا يرتدي الصحفي خوذة تحميه فقط، بل يحمل فوق كتفيه عبئًا نفسيًا وإنسانيًا هائلًا. هو مطالب بأن يصوّر المجازر، بينما قد يكون أهله تحت القصف في مكان آخر. ومطالب بأن يحافظ على المهنية، بينما يعيش المأساة نفسها التي ينقلها.ومع ذلك، استمر كثيرون في العمل.
ربما لأنهم يعرفون أن غياب الصورة يعني انتصار الرواية الأخرى.حسان أبو وردة لم يكن اسمًا عابرًا في قائمة طويلة من الضحايا، بل كان شاهدًا على مرحلة كاملة من الألم الفلسطيني.
رجلٌ اختار أن يبقى في قلب الخطر حتى النهاية، وأن ينقل ما يحدث مهما كانت النتيجة.وربما لهذا السبب تحديدًا، بدا خبر استشهاده صادمًا للكثيرين، ليس لأنه الأول، بل لأن العالم بدأ يعتاد موت الصحفي الفلسطيني، وكأن الأمر أصبح جزءًا طبيعيًا من أخبار الحرب اليومية.
وهنا تكمن الكارثة الحقيقية.أن يتحول قتل الصحفي إلى خبر عادي.وأن يصبح استهداف الكاميرا أمرًا يمكن المرور عليه سريعًا دون محاسبة أو حتى اهتمام حقيقي.
لكن رغم كل ذلك، يبقى ما قدّمه هؤلاء الصحفيون حيًا. الصور التي التقطوها، والتقارير التي أرسلوها تحت القصف، والأصوات المرتجفة في البث المباشر كلها أصبحت جزءًا من ذاكرة الحرب، ومن الرواية التي لن يستطيع أحد محوها بالكامل.
#حسان_ابووردة
#برق_غزة
#الذكري_السنوية_الأولي

