اتساع مناطق العزل الإسرائيلية يعيد رسم الجغرافيا ويضيق ما تبقى من مساحة للحياة
برق غزة / غزة
كتب: نور الهدى أبو عودة
لم تعد التغييرات التي تطرأ على خريطة قطاع غزة مجرد تحركات عسكرية مؤقتة، بل باتت، وفق ما تكشفه صور الأقمار الصناعية والتقارير الميدانية، واقعًا جغرافيًا جديدًا يفرض نفسه يومًا بعد يوم، وسط مخاوف متزايدة من أن تتحول هذه التغييرات إلى أمر دائم يغيّر شكل القطاع ومستقبل سكانه.
أحدث صور الأقمار الصناعية أظهرت اتساع مناطق العزل التي تفرضها قوات الاحتلال الإسرائيلي داخل قطاع غزة، مع تمدد ما يُعرف بـ”الخط الأصفر” وظهور “الخط البرتقالي”، الأمر الذي أدى إلى تقليص المساحات المتاحة لإيواء مئات آلاف النازحين، ودفع المزيد من العائلات إلى موجات نزوح جديدة، في ظل انعدام الخيارات الآمنة.
وتشير المعطيات إلى أن الاحتلال أقام منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2025 سواتر ترابية تمتد لنحو 30 كيلومترًا عبر محافظات القطاع، ما أدى إلى تقسيم مناطق واسعة وفرض قيود إضافية على حركة المدنيين، بينما أصبحت أحياء كاملة وأراضٍ زراعية داخل نطاقات يصعب الوصول إليها أو البقاء فيها.
وفي محافظة دير البلح، توسعت مناطق العزل لتشمل أحياء سكنية ومناطق زراعية، وهو ما أجبر آلاف العائلات على ترك أماكن نزوحها للمرة الثانية أو الثالثة، في مشهد بات يتكرر مع كل توسع جديد للمناطق العسكرية.
وخلال الساعات الماضية، تداول صحفيون وناشطون فلسطينيون على منصات التواصل الاجتماعي صورًا وخرائط مقارنة بين الأشهر الماضية والواقع الحالي، معتبرين أن ما يحدث يتجاوز كونه إجراءات ميدانية مؤقتة، ليصبح إعادة رسم فعلية للخريطة داخل القطاع.
وكتب عدد منهم أن “غزة لا تخسر فقط منازلها، بل تخسر أيضًا المساحات التي كانت تمثل آخر ملاذ للمدنيين”.كما حذر إعلاميون من أن تضييق مناطق الإيواء سيؤدي إلى زيادة الكثافة السكانية في المناطق المتبقية، ما يفاقم الأوضاع الإنسانية ويزيد من مخاطر انتشار الأمراض وسوء الأوضاع المعيشية، خاصة مع استمرار تراجع الخدمات الأساسية.
وتتزامن هذه التطورات مع تحذيرات متكررة أطلقتها مؤسسات أممية ومنظمات إنسانية بشأن تقلص المساحات الآمنة داخل القطاع، مؤكدة أن استمرار أوامر الإخلاء وتوسع مناطق العزل يضع مئات آلاف المدنيين أمام خيارات شبه معدومة، ويجعل عمليات الإغاثة أكثر تعقيدًا.
ويبقى السؤال الأكثر حضورًا: هل تشكل هذه التغييرات واقعًا مؤقتًا فرضته الحرب، أم أنها تمهد لتحولات جغرافية طويلة الأمد قد تعيد رسم حدود الحركة والسكن داخل قطاع غزة؟ سؤال يطرحه الفلسطينيون اليوم بقلق، بينما تستمر الخرائط في التبدل، وتضيق الأرض بمن يعيشون فوقها، في انتظار مستقبل لا تزال ملامحه غامضة.

