برق غزة / غزة
تتفاقم أزمة الطاقة في قطاع غزة ومخيمات النزوح، في ظل استمرار تدمير البنية التحتية للكهرباء ونقص الوقود ومستلزمات تشغيل المولدات، بالتزامن مع شحّ كبير في معدات الطاقة البديلة وارتفاع أسعارها إلى مستويات تفوق قدرة معظم النازحين على تحمّلها.
وتحوّلت الكهرباء في ظل الظروف الراهنة من خدمة أساسية إلى ضرورة يومية ترتبط بتفاصيل الحياة داخل الخيام ومراكز الإيواء، بدءًا من حفظ الطعام وتشغيل الإنارة وشحن الهواتف، وصولًا إلى تأمين وسائل الاتصال والإنترنت.
وتقول مصادر محلية إن استمرار القيود على إدخال الوقود ومعدات الطاقة البديلة، إلى جانب تضرر شبكات الكهرباء، أدى إلى تقلص الخيارات المتاحة أمام المواطنين، ودفعهم للاعتماد على نقاط الشحن التجارية أو البحث عن ألواح شمسية وبطاريات في سوق تعاني من شح المعروض وارتفاع الأسعار.
أسعار تتجاوز قدرة النازحين
ومع تراجع كميات ألواح الطاقة الشمسية والبطاريات المتوفرة في الأسواق، ارتفعت أسعارها بصورة كبيرة، إذ قفز سعر اللوح الشمسي الواحد، وفق المعطيات الواردة، من نحو 500 شيكل قبل الحرب إلى أكثر من 10 آلاف شيكل، ما جعل اقتناء منظومة طاقة بسيطة أمرًا يفوق إمكانات غالبية الأسر النازحة.
ويرى مواطنون أن ارتفاع الأسعار، إلى جانب محدودية المعروض، فتح المجال أمام ممارسات احتكارية واستغلال حاجة السكان، في وقت تفتقر فيه الأسر النازحة إلى مصادر دخل ثابتة وتواجه أعباء معيشية متزايدة.
وفي مخيمات النزوح ومراكز الإيواء، تبدأ معاناة جديدة يوميًا مع البحث عن نقطة شحن، حيث يضطر المواطنون إلى قطع مسافات طويلة وانتظار ساعات للحصول على قدر محدود من الكهرباء، مقابل مبالغ مالية تتراكم مع تكرار الحاجة إلى الشحن.
رحلة يومية بحثًا عن الكهرباء
يقول النازح أبو محمد وادي (48 عامًا)، المقيم في إحدى مدارس النزوح، إن يومه يبدأ بالبحث عن مكان لشحن البطاريات والهواتف، بدلًا من الانشغال باحتياجات أسرته الأساسية.
ويضيف : “نستيقظ في الصباح الباكر لا لنفكر في الطعام والشراب فحسب، بل لنبدأ رحلة البحث عن نقطة شحن كهربائية، نمشي مسافات طويلة ونحمل بطاريات ثقيلة وهواتفنا لنصل إلى أصحاب المشاريع الخاصة”.
ويشير وادي إلى أن ارتفاع تكلفة الشحن وطول ساعات الانتظار يفرضان أعباء إضافية على النازحين، قائلًا إن الحصول على الكهرباء أصبح مرتبطًا بقدرة الأسرة على دفع تكاليفها بشكل متكرر.
ويتابع: “معاناتنا تتضاعف يوميًا بين الانتظار لساعات طويلة في طوابير تحت الشمس وضياع اليوم بالكامل، وبين الدفع المالي الإجباري”.
ويطالب الجهات الدولية بالضغط من أجل إدخال ألواح الطاقة الشمسية والبطاريات ومستلزمات الطاقة إلى القطاع، معتبرًا أن توفيرها لم يعد ترفًا، بل ضرورة للحياة داخل الخيام ومراكز الإيواء.من جانبها، تقول النازحة إيمان نصر إن تراجع توفر الوقود وقطع غيار المولدات انعكس مباشرة على أسعار الشحن.
وتوضح : “كنا نسدد شيكلًا أو شيكلين، أما اليوم فندفع تكاليف فوق طاقتنا لقاء نسبة شحن بسيطة لا تكفي لتشغيل إضاءة الخيمة لعدة ساعات”.وتضيف: “أصبحنا بين خيارين أحلاهما مر: إما البقاء في ظلام دامس وانقطاع عن العالم، أو استنزاف ما تبقى من مصاريفنا القليلة على الشحن”.
وتناشد نصر الجهات المعنية السماح بإدخال ألواح الطاقة الشمسية والبطاريات إلى غزة، معتبرة أن زيادة الكميات المتاحة في الأسواق يمكن أن تسهم في خفض الأسعار والحد من الاحتكار.
شحّ المعروض يفاقم الأسعاربدوره، يوضح المختص بالشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر أن القيود المفروضة على توريد مستلزمات الطاقة البديلة والكوابل والبطاريات أدت إلى انخفاض الكميات المتاحة في الأسواق، بالتزامن مع ارتفاع الطلب عليها.
ويقول أبو قمر : إن الارتفاع الكبير في الأسعار يرتبط بصورة أساسية بآلية العرض والطلب، موضحًا أن ندرة السلع مع زيادة الحاجة إليها ترفع أسعارها، خصوصًا في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها القطاع.
ويشير إلى أن الطاقة تمثل عنصرًا أساسيًا في مختلف القطاعات الاقتصادية والخدماتية، وأن ارتفاع تكلفتها أو صعوبة الحصول عليها ينعكس بصورة مباشرة على أسعار السلع والخدمات، نظرًا لاعتماد العديد من الأنشطة على الكهرباء والوقود في الإنتاج والنقل والتخزين.
ويضيف أن توقف مصادر الطاقة التقليدية وتضرر شبكات الكهرباء دفع المواطنين إلى البحث عن بدائل، أبرزها الألواح الشمسية والبطاريات، لتوفير الحد الأدنى من احتياجاتهم اليومية.
الطاقة.. ضرورة إنسانية لا رفاهية
ويرى أبو قمر أن أزمة الطاقة في غزة لا تتعلق بنقص سلعة تجارية فحسب، وإنما تمس أحد المقومات الأساسية للحياة والخدمات، مؤكدًا أن استمرار نقص الوقود ومعدات الطاقة البديلة يزيد من الأعباء الاقتصادية على المواطنين.
ويلفت إلى أن ارتفاع تكلفة الحصول على الكهرباء ينعكس على مختلف جوانب الحياة، بدءًا من حفظ الأغذية وتشغيل وسائل الاتصال والإنارة، وصولًا إلى الخدمات والأنشطة التجارية التي تحتاج إلى مصادر طاقة مستقرة.
ويؤكد أن معالجة الأزمة تتطلب السماح بإدخال الوقود والمولدات ومستلزمات الطاقة البديلة، إلى جانب العمل على إصلاح وتشغيل ما يمكن من منظومة الكهرباء في القطاع، بما يسهم في زيادة المعروض من الطاقة وكسر حالة الاعتماد على نقاط الشحن الخاصة.
وفي ظل استمرار أزمة الكهرباء، يبقى النازحون أمام معادلة قاسية: إما دفع ما تبقى من أموالهم للحصول على ساعات محدودة من الطاقة، أو العيش في الظلام والانقطاع عن العالم، بينما تتصاعد المطالبات بإدخال معدات الطاقة الشمسية والبطاريات باعتبارها من الاحتياجات الأساسية التي لا تحتمل مزيدًا من التأجيل.
تابعنا عبر التليجرام للاخبار العاجلة

