برق غزة / لينا سكيك
من أمام خيمةٍ صغيرةٍ نُصبت على عجل في مواصي خانيونس، كانت جِنان أبو عمرة، ذات السنوات السبع، تغنّي بأعلى صوتها.ضحكتها العالية كانت أعلى من ضجيج الخيام، وركضها السريع بدا كأنه محاولة يائسة لاستعادة ما سُرق من طفولتها طويلًا.عيونٌ زرقاء ، وفستانٌ زهريّ، وحلمٌ صغير اسمه الفرح…كانت جنان الأكثر بهجة بين أصدقائها، تحتفل بوقف إطلاق النار الذي ظنّوه أخيرًا نافذة نجاة لطفولةٍ أنهكتها الحرب.
لكن الفرح في غزة لا يُكمل طريقه، بعد لحظات، وبدون أي إنذار، اخترق المكان وابلٌ من القذائف والرصاص، انطلق من آليات الاحتلال بشكلٍ عشوائيّ وجنوني، سقط الجميع أرضًا، صراخ الأطفال مزّق الهواء، وفي زاويةٍ ما اخترقت رصاصة جسدًا صغيرًا لم يعرف يومًا معنى الخوف.
خرجت أم جنان تركض، تبحث بعينيها المرتجفتين عن طفلتها، لكن ما رأته جعلها تتمنى لو أن الأرض ابتلعتها قبل تلك اللحظة.
كانت جنان منبطحة على بطنها، والدماء تنزف من جسدها الغضّ، جسدٍ لم يُخلق إلا للعب والغناء، نُقلت على الفور إلى المستشفى وهناك كانت الصدمة، الرصاصة اخترقت النخاع الشوكي وخرجت منه، تاركةً خلفها شللًا دائمًا.
تجمّع دموي على القلب والرئتين، وجسدٌ صغير لم يعد قادرًا على الحركة، في الثالث عشر من ديسمبر، توقّف الزمن عند جنان لم تعد تمشي ،لم تعد قادرة حتى على إسناد ظهرها، تحوّلت من طفلةٍ مرحة، كانت تحلم باللعب والغناء إلى طفلةٍ صامتة، اختفت أحلامها دفعةً واحدة.
تقول والدتها، بصوت مكسور ودموع لا تتوقف: “كانت جنان طفلة شقية كثيرة الحركة، كنا نقول لها دائمًا اهدئي اليوم أشتاق حتى لإزعاجها.
“لم تكن حالتها النفسية أقل قسوة من جسدها، نسبة تعافيها لم تتجاوز 1%، أصبحت متعلّقة بأمها، ترفض الناس، تبتعد عن أصدقائها، غارقة في صدمةٍ قاسية لا تشبه عمرها.
تنقّلت العائلة طويلًا بين أزقة المستشفيات، لكن العلاج كان ناقصًا، والدعم الطبي شبه معدوم، في ظل غياب الأجهزة والإمكانيات داخل قطاع غزة، وقبل الحرب، كانت للعائلة حياةٌ أبسط لكنها مستقرة.
سوبرماركت صغير كان مصدر رزقهم الوحيد…اليوم، لم يتبقَّ منه سوى الذكريات.
دُمّر بالكامل، وأصبحت الأسرة تعتمد على طعام التكايا، والصدقات، والمساعدات الإنسانية.تختتم الأم حديثها بنبرةٍ تجمع بين الرجاء والانكسار: “أتمنى فقط أن تخرج ابنتي للعلاج خارج غزة، أن تمشي، أن تلعب، أن تعود جنان كما كانت.
“بين خيمةٍ ممزقة، وطفلةٍ مشلولة، وأمٍّ لا تزال تنتظر المعجزة ،تختصر قصة جنان حكاية طفولةٍ أُصيبت برصاصة، وما زالت تنزف حتى اليوم.

