برق غزة / مقالات
🖋 د. سلمان السعودي
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾في ذكرى عاشوراء، تتجاوزُ الذاكرةُ حدودَ الزمان والمكان، وتستحضرُ الصورَ المتشابهةَ من الصراع بين الحقِّ والباطل، وبين المظلوم والظالم، وبين مَن يدفع ثمنَ موقفه دفاعًا عن كرامةِ الأمة وحريتها، متحدِّيًا مَن يمارس القهرَ والاستبداد بقوة السلاح، وبين المتخاذلين والمثبِّطين عن نصرة الحق.تمرُّ ذكرى عاشوراء هذا العام وغزةُ ما تزال تنزفُ الدم، وشعبُها يدفع أثمانًا باهظةً من دمائه وأرواحه وبيوته وأحلامه، والأمةُ تنزفُ كرامتَها على أعتاب الصهيوأمريكية، في غفلةٍ عن نصرة الحق والمستضعفين والمظلومين.ارتبطت عاشوراءُ على مرِّ التاريخ في الوجدان الإسلامي بمعانٍ عظيمة؛ من نصرة الحق على الباطل، ونصرة المظلوم على الظالم. نجَّى اللهُ فيها موسى عليه السلام ومَن معه من بطش فرعون، كما أنها تذكِّر الأمةَ بمأساة كربلاء ونهر الدم، وما حملته من دروسٍ في الثبات على المبدأ ورفض الخضوع للظلم.وعلى اختلاف القراءات التاريخية للأحداث، يبقى الدمُ المظلوم عنوانًا يجمع الأحرار، وتبقى نصرةُ الحق قيمةً تتجاوز الانتماءات والمذاهب والحدود.وفي حالة غزة، لا تحتاج الأمةُ إلى استدعاء التاريخ كي تفهم معنى التضحية؛ فالتاريخ في غزة يُكتب بدماء أهلها كلَّ يوم أمام الأعين… أطفالٌ يُقتلون، ونساءٌ يُفجعن، وشيوخٌ يُهجَّرون، وأسرٌ تُمحى من السجل المدني، بينما يقف العالمُ عاجزًا أو متواطئًا أو منشغلًا بحساباته السياسية الضيقة.إن الدمَ الذي يسيل ظلمًا لا ينبغي أن يكون سببًا لمزيدٍ من الفرقة بين أبناء الأمة، بل يجب أن يكون جسرًا للوحدة والتضامن. فالدمُ يوحِّد الموقف عندما يكون الانحيازُ للإنسان المظلوم، وللحق الواضح، وللقيم التي جاء بها الأنبياء جميعًا: العدل والحرية والكرامة.ومن أهم الدروس التي ينبغي استحضارُها في ذكرى عاشوراء أن المواقفَ تُقاس بالثبات على المبادئ، لا بحسابات المكاسب والخسائر الآنية.فالحقُّ لا يُعرف بكثرة أنصاره، والباطلُ لا يصبح حقًّا بقوة سلاحه أو كثرة داعميه. وما من أمةٍ حافظت على كرامتها إلا حين تمسكت بقيمها، وصبرت على التضحيات التي يفرضها طريق الحرية.غزة اليوم ليست مجرد قضية سياسية أو نزاعٍ حدودي، بل هي امتحانٌ إيمانيٌّ وأخلاقيٌّ وإنسانيٌّ يكشف مواقف الأفراد والشعوب والمؤسسات.إن كلَّ قطرة دم تُراق ظلمًا، تتجدد بها مسؤوليةُ الأمة في نصرة المظلوم، والدفاع عن الحق، ورفض كل أشكال العدوان.وفي ذكرى عاشوراء، يبقى الدرسُ الأهم أن الدمَ المظلوم لا يموت، وأن التضحيات الصادقة تظلُّ حيَّةً في ضمير الأمة، وأن إرادة الشعوب لا تُهزم مهما اشتدَّ البطش، وأن الحقَّ وإن طال طريقُه، أحقُّ أن يُتَّبع.غزة في ذكرى عاشوراء… الدمُ يوحِّدُ الموقف، ويذكِّر الأمةَ بأن الانتصار للقيم والعدل والكرامة هو الطريق الذي يجمع الأحرار مهما اختلفت أماكنهم وأزمانهم.
تابعنا عبر التليجرام للاخبار العاجلة

