دكتور / محمد عاصم شنشل
يعتمد مفهوم الردع في العلوم العسكريه والسياسيه الإستراتيجيه على معادله واضحه ملخصها هو قيام قوة الطرف (أ) بمنع قوة الطرف (ب) من تنفيذ اي فعل لا يرتضيه الطرف الاول ولا ينسجم وطموحه المرسوم وذلك من خلال فرضية أن الضرر الذي سيلحقه بقوة الطرف (ب) في حالة قيامه بفعل لا يرتضيه الطرف (أ) سيكون مكلفاً ومدمراً للاخير و لسنوات طويله ..
لقد بنت إيران استراتيجيتها الإقليميه على هذه المعادله متوهمه بفرض قدرتها على فرض الردع خارج حدودها الاقليميه لحماية جبهتها الداخليه ضد القوى العظمى وبالذات امريكا والخصوم الإقليميين في الوطن العربي والمنطقه ومع ذلك تشير التطورات الراهنه إلى أن طهران قد استنزفت إمكانياتها وقدراتها العسكريه وخياراتها التي كانت تراهن عليها في الحرب وفقدت أوراق ضغطها الإستراتيجيه كمضيق هرمز واذرعها في شرق الوطن العربي واحده تلو الأخرى لتجد نفسها في مأزق وجودي أمام تحولات ميدانيه لا تخدم ما اسسته لاطماعها وطموحاتها ..
ورقة غلق مضيق هرمز كان من ابرز سياسة الردع التي تصورها نظام الولي الفقيه في ايران هي غلق مضيق هرمز والضغط على اقتصاد الخليج العربي بالحد من تصدير النفط والغاز وكذلك التاثير على سوق النفط العالمي والضغط على الاقتصاد العالمي لابتزاز واشنطن وحلفائها وهذا يشكل ضغط مباشرعلى الرئيس الامريكي دونالد ترامب ولكن ما جرى ميدانياً هو قيام الجيش الامريكي بايجاد وتأمين ممر بديل امن للسفن قريب من ساحل عمان يجتاز مضيق هرمز وخارج عن سيطرة ايران عندما حاولت ضرب السفن جاء رد الطيران الحربي الامريكي ساحقاً ورادعاً بقوه إذ جعل الجانب الإيراني يعيد حساباته ألف مره قبل التفكير في مجرد قتح النار وإستهداف أو تهديد أي زورق وليس ناقلة نفط عائديتها لأي شركه أو دوله إستخدمت هذا الممر ناهيك عن تعطيل الملاحه البحريه وسير السفن التجاريه فيه وهنا يكون الواقع الميداني قد افرغ هذه الورقه الخاسره من محتواها ولم يعد لتهديدها بمضيق هرمز اي قيمه ايرانيه رادعه على الاطلاق ..
الورقه الثانيه التي تلعبها ايران هي ضرب (سرائيل ) في حال استهداف حزب الله وكيل ايران في لبنان كأدات للردع على هذه الجبهه حيث سقط رهان إيران أيضاً على استخدام هذا المكون الارهابي كأداة للردع وإصدار حكومة لبنان موقف رسمي بحظر اي نشاط عسكري وامني وسياسي له ورفضها أي أعمال عسكريه له تنطلق من اراضيها مع حصر السلاح بيد الدوله مما ادى الى فشل هذه [ اللعبه ] الا وهي لعبة تحريك الوكيل الايراني في لبنان حيث تواصل إسرائيل قصف مواقع الحزب بشكل يومي وسط غياب اي رد فعل ايراني للحمايه لإدراكها بأن أي محاوله للرد المباشر على اسرائيل ستكون هناك ضربه عسكريه قويه للبنيه التحتيه الإيرانيه وستكون تكلفتها باهظه للغايه و تشكل كوارث مدمره وكبيره سواء في منشآتها العسكريه او المدنيه ذات الاهميه حيث ان هذا العجز الإيراني عن الرد وعن قدرتها المزعومه على حماية وكلائها واذرعها انعكس سلباً على هؤلاء الوكلاء في المنطقه الذين باتوا يعيشون حاله من الضعف والهزيمه في مواقع متعدده جعلها في مأزق إستراتيجي إذ أصبحت معادلة الرد العسكري للاذرع الإيرانيه غير مجديه ولا تقدم لهم اية حمايه فعليه على الإطلاق ..
الورقه الثالثه هو استهداف الدول العربيه حيث اتجهت إيران نحو ضرب أهداف في دول الخليج العربي مثل الكويت والبحرين وكذلك الاردن غير أن هذا التصعيد العسكري الذي نفذته ايران إتضح انه غير مجدي ولا قيمه له وذلك لفاعلية دفاعات الصد في تلك الدول المستهدفه ضد مناطق لا تتواجد فيها قواعد أمريكيه حيث أثبت التصعيد الايراني ايضاً عدم فاعليته فهو لا يمتلك أي قيمه استراتيجيه عسكريه حقيقيه ذات فائده وبات ضعفها الميداني واضح تماما ، أما بالنسبه للتهديد تجاه السعوديه والإمارات فيبدو أن إيران تراجعت عن استهدافهما ربما نتيجة تحذيرات بامتلاكهما قدرات من شأنها تحدث رد عسكري جدي ومؤثر أو بفعل تدخلات دبلوماسيه مثل الدور الباكستاني الذي عقد معاهدة دفاع مشترك مع السعوديه او سعي باكستان لإقناع طهران بالكف عن التصعيد العسكري او الاعلامي ضدها ..
الدور الباكستاني حيث لعبت دوراً براغماتياً ينصب اهتمامها الأساسي على استمرار تدفق وتهريب النفط اليها مع التركيز على وقف إطلاق النار أكثر من اهتمامها بإنهاء الحصار أو التهديدات الاستراتيجيه كما أن حضور الرئيس ( ترامب ) الى اجتماع حلف الناتو في تركيا قد يولد شعور لدى القاده في ايران بأن هناك حالة تغيير في السياسه الدوليه للمنطقه ليست في صالحها خاصة في ظل المعارضه الدوليه لغلقها مضيق هرمز والتجاوز على المياه الدوليه اضافة الى طلب تركيا شراء طائرات F 35 الحربيه الاكثر تطورا وتاييد حلف الناتو للإجراءات العسكريه الامريكيه ضد إيران لوضع حد لابتزازها للاقتصاد العالمي مما افقد ايران اي افاق في الحصول على تعاطف او دعم دولي مما جعل الردود الايرانيه يكشف لها الارتباك في محاولة لإستعادة مسرح زمام المبادره والمبادئه حيث ان طبيعة الرد العسكري الأمريكي لا يتخذ شكل الحرب الشامله المباشره بل يعتمد على ضربات إنتقائيه قويه متقطعه على مراحل لمواقع مهمه وحساسه تتراكم آثارها التدميريه لتؤدي في نهاية المطاف إلى شل وضعف إمكانيات نظام الملالي في ايران وكأنها قصف تمهيدي لعمليات كبرى واللافت للانتباه هو غياب أي رد فعل إيراني عسكري حقيقي ومؤثر تجاه الأهداف العسكريه الأمريكيه يكون ذو قيمه كاستهداف السفن والبوارج وحاملات الطائرات إذ تكتفي طهران بـردود صفرية لا تغني من جوع مما يمنح واشنطن حرية الحرك لقواتها العسكريه متعددة القوى والصنوف في قصف ما تشاء ومتى تشاء للاهداف داخل العمق الايراني الذي بات اكثر ضعفا وهشاشتا والتغيير قادم لا محال والله المستعان .

