محمود البسيوني
يقف الاقتصاد المصري أمام مفترق طرق حقيقي. فبين ضغوط المعيشة، وارتفاع الأسعار، وأعباء الدين، وتقلبات سعر الصرف، تتحرك الدولة في اتجاه إصلاح اقتصادي واسع، تراهن من خلاله على الاستثمار والإنتاج وزيادة موارد النقد الأجنبي. وبين هذا وذاك، يبقى المواطن في قلب المعادلة، ينتظر أن يتحول الحديث عن الإصلاح إلى تحسن ملموس في مستوى المعيشة.
أزمة لا يمكن إنكارها
لا يحتاج المواطن إلى تقارير اقتصادية كي يدرك حجم الضغوط. الأسعار المرتفعة وتراجع القوة الشرائية وتكلفة الخدمات والسلع أصبحت جزءًا من الحياة اليومية لملايين المصريين.
وقد فرضت هذه التطورات نفسها على أولويات الدولة، بعدما أصبح تحقيق الاستقرار النقدي والسيطرة على التضخم وزيادة موارد العملة الأجنبية أهدافًا لا تحتمل التأجيل.لكن الأزمة الاقتصادية المصرية ليست وليدة عامل واحد. فهي نتاج تداخل عوامل داخلية وخارجية، من ارتفاع تكاليف التمويل والاستيراد إلى الأزمات العالمية وتقلبات الأسواق، إلى جانب تحديات هيكلية تراكمت على مدار سنوات.
الدولار في قلب المعركة
ظل الدولار أحد أبرز مفاتيح الأزمة الاقتصادية المصرية. فاقتصاد يعتمد على استيراد جزء مهم من احتياجاته الإنتاجية والاستهلاكية يتأثر بصورة مباشرة بأي نقص في النقد الأجنبي أو اضطراب في سوق الصرف.ومن هنا أصبحت زيادة تدفقات العملة الأجنبية هدفًا استراتيجيًا، سواء من خلال السياحة أو الصادرات أو الاستثمار الأجنبي أو تحويلات المصريين في الخارج أو إيرادات قناة السويس.
لكن توفير الدولار وحده لا يحسم المعركة. الحل المستدام يبدأ من زيادة الإنتاج والصادرات وتقليل الاعتماد على الواردات، بحيث تصبح موارد العملة الأجنبية نتيجة لقوة الاقتصاد وليس مجرد تدفقات مؤقتة.
من اقتصاد الاستهلاك إلى اقتصاد الإنتاج
ربما تكون هذه هي المعركة الأهم أمام مصر.
فالاقتصاد القادر على تحقيق نمو مستدام هو الاقتصاد الذي ينتج أكثر مما يستهلك، ويصدر أكثر مما يستورد، ويخلق وظائف منتجة بدلًا من الاعتماد على الإنفاق وحده.ولهذا فإن دعم الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والخدمات القابلة للتصدير لم يعد خيارًا ثانويًا، بل ضرورة اقتصادية.
كما أن القطاع الخاص يمتلك دورًا محوريًا في هذه المعادلة، لأن توسع الشركات والاستثمارات يعني زيادة الإنتاج وخلق وظائف جديدة وتوسيع قاعدة الصادرات.الإصلاح الاقتصادي لا ينجح بالأرقام وحدهاقد ترتفع معدلات النمو، وقد تتراجع بعض المؤشرات السلبية، وقد تتدفق استثمارات جديدة، لكن ذلك كله لن يكون كافيًا إذا لم ينعكس على حياة المواطن.الاختبار الحقيقي لأي إصلاح اقتصادي هو قدرته على تحسين القوة الشرائية، وتوفير فرص عمل مستقرة، وزيادة الدخول الحقيقية، وخفض التضخم، وتحسين جودة الخدمات.فالاقتصاد ليس مجرد جداول ونسب مئوية؛ الاقتصاد في النهاية هو حياة الناس.
هل مصر أمام انهيار أم ازدهار؟
الإجابة الأكثر دقة أن مصر تقف أمام فرصة لإعادة تشكيل اقتصادها، لكن هذه الفرصة ليست مضمونة النتائج.هناك مقومات قوية يمكن البناء عليها: سوق محلية ضخمة، وموقع جغرافي استثنائي، وقناة السويس، وقطاع سياحي مهم، وقاعدة صناعية، وموارد بشرية كبيرة، إلى جانب فرص واسعة في الطاقة والتكنولوجيا والصناعة والتصدير.
وفي المقابل، هناك تحديات ثقيلة: التضخم، وأعباء الدين، والحاجة إلى زيادة الإنتاج والصادرات، وتحسين بيئة الاستثمار، والحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي.المعادلة واضحة: إذا نجحت مصر في تحويل الاستثمارات إلى إنتاج، والإنتاج إلى صادرات، والصادرات إلى عملة أجنبية، والنمو إلى وظائف ودخول حقيقية، فإن الاقتصاد يستطيع الانتقال إلى مرحلة أكثر استقرارًا.
أما إذا بقي الإصلاح محصورًا في معالجة الأزمات قصيرة الأجل، فستظل الضغوط قائمة.المواطن هو خط النهايةفي نهاية المطاف، لا يهم المواطن كثيرًا ما إذا كان الاقتصاد يسجل نموًا بنسبة معينة أو يجذب استثمارات بمليارات الدولارات، إذا ظل دخله عاجزًا عن مواكبة الأسعار.
ولهذا فإن المعركة الاقتصادية الحقيقية ليست فقط مع التضخم أو الدولار أو الدين، وإنما مع الفجوة بين الأرقام الاقتصادية وحياة المواطن اليومية.مصر لا تحتاج إلى شعارات عن الانهيار، كما لا تحتاج إلى احتفالات مبكرة بالازدهار.
ما تحتاجه هو اقتصاد أكثر إنتاجًا، وأكثر قدرة على التصدير، وأكثر جذبًا للاستثمار، وسياسات تضمن أن تصل ثمار النمو إلى المجتمع.بين الانهيار والازدهار، لا تزال المساحة مفتوحة. والنتيجة لن تحسمها التوقعات، بل سيحسمها الإنتاج والاستثمار والإصلاح وقدرة الاقتصاد على تحويل موارده إلى نمو حقيقي ومستدام.

