برق غزة/لينا سكيك
في خيمةٍ ضيّقة نُصبت على عجلٍ بجانب صالات أفراح مهجورة، كان أحمد أبو سعادة (19 عامًا) يحاول أن يبدأ حياته الجديدة. على فرشةٍ مزدوجة بالكاد استطاع تدبيرها، نام هو وزوجته ولاء جحا في ثالث ليلةٍ من زفافهما.
كان المكان فقيرًا بكل شيء، إلا من الفرح.
تحت ضوءٍ خافت، أخذ أحمد يحدّث ولاء عن سعادته بها، عن دهشته من أنه أصبح زوجًا، وعن أحلامٍ صغيرة بدت في تلك اللحظة كبيرة: بيتٌ آمن، أيام هادئة، وأطفال يملأون المكان ضحكًا. كانت الساعة تقترب من الثانية فجرًا، والريح تعصف في الخارج بعنف، تصطدم بجدران الخيمة الرقيقة، لكنهما لم يكونا يخشيان شيئًا… فالحب كان أعلى من صوت العاصفة.
بعد دقائق فقط، انهار كل شيء.
سقط جدارٌ إسمنتي من إحدى الصالات المجاورة، ليسقط مباشرة على رأس ولاء. خيّم الصمت فجأة، اختفى صوت الريح، وتلاشى الحديث عن المستقبل. امتلأت الخيمة بالدماء، وتحولت ليلة العمر إلى مشهدٍ لا يُنسى.
نُقلت ولاء على الفور إلى المستشفى، لكن الوقت كان قد سبق الجميع. الضربة كانت قاتلة، والجدار سحق جمجمتها، لتفارق الحياة قبل أن تبدأ أيام زواجها.
اقرأ للمزيد: حين يتحوّل الشتاء إلى ذُعر..أطفال غزّة يغرقون في خيامهم
اختفت الفرحة… ودفنت معها الأحلام.
أحمد، الذي كان يعاني منذ ولادته من ثِقَلٍ في النطق، لم يحتمل الصدمة. بعد وفاة زوجته، ازدادت حالته سوءًا، وانسحب بصمتٍ مؤلم من العالم. لم يعد يتحدث مع أحد، يقضي معظم يومه مستلقيًا على تلك الفرشة نفسها، وكأنه يتخيّل ولاء ما زالت إلى جانبه، تسمعه وتجيبه.

يقول والده بصوتٍ يثقله العجز: “لم نعد نعرف أحمد… أصبح غريبًا. أحيانًا يقول لأمه: بدّي أروح عند زوجتي.”
في ظل ظروفٍ قاسية، استطاع الأب أن يزوّج ابنه، وأن يوفّر له خيمة تأويه، كحدٍّ أدنى من الحياة. لكن حتى هذا الحدّ لم يكتمل. الخيمة نفسها دُمّرت لاحقًا، ليجد أحمد نفسه بلا زوجة، وبلا مأوى، وبلا بداية.
في غزة، لا تُقاس المأساة بعدد الضحايا فقط، بل بما يُسلب من الناس قبل أن يكتمل، وفي غزة…لا يكتمل الفرح.




